موقع النفط والغاز الطبيعي العربي

 

 

 
  الصفحة الرئيسية > قسم الدراسات

قراءة فـي: صناعـة النفـط فـي العــراق والسياسـة النفطيـة - الجزء الثاني

الدكتور عصام الجلبي(
وزير النفط العراقي الأسبق

 

 الخطة المقترحة في مجال صناعة النفط الاستخراجية

تحدثنا عن حجم الثروات النفطية العراقية ومراحل تطور صناعتها وأسباب تلكؤ ذلك وما تعرضت له من أضرار جراء الحروب والحصار وسوء إدارة الإنتاج، مما جعل الطاقات الإنتاجية لا تتناسب وحجم الاحتياطيات النفطية، كما أكدنا على ضرورة عدم التوسع في الإنتاج قبل اتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحد من تدهور الوضع في المكامن والحقول.

ومن المناسب أن نضع بعض الحقائق والأسس والمبادئ قبل الحديث عن خطط واضحة المعالم تحدد كيفية النهوض بهذا القطاع:

1. إن المضي بأية سياسة نفطية يجب أن ينطلق من مبدئية كون الموارد الطبيعية يجب أن تبقى تحت السيادة الوطنية الكاملة للدولة.

2 . يجب أن تبقى إدارة الصناعة النفطية خاضعة للسلطة المركزية بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي حتى في ما لو أصبح العراق دولة فيدرالية. أما كيفية توزيع الموارد النفطية فهو مسألة أخرى يمكن معالجتها حسب حاجة المحافظات العراقية إلى تلك الموارد لغرض بناء البنى التحتية والمضي بسياسة تنموية واضحة المعالم ومراعاة ما عانته كل محافظة من دمار أو إهمال وحرمان في العهود السابقة.

3 . يجب اعتماد خطط متوازية لمعالجة مشاكل الصناعة النفطية وأن لا يكون الهدف الاستراتيجي هو تطوير طاقات الإنتاج والتصدير على حساب قطاع التحويل، وتوفير المشتقات النفطية للمستهلكين في الداخل بالكمية والنوعية المطلوبة وإنما السير ببرامج متوازية وإعطاء قطاع التحويل الأهمية نفسها إن لم تكن أكبر خلال السنوات الثلاث الأولى على أنه بالإمكان المضي بالخطط جميعها وبشكل متوازي.

4 . ستكون المهمة الأولى لمسؤولي القطاع إعادة القدرة الإنتاجية التي تضررت بسبب الحروب والعقوبات وممارسات التشغيل السيئة إلى وضعها السليم وخاصة في ما يتعلق بإعداد دراسات فورية يصاحبها إجراءات سريعة من أجل معالجة أوضاع المكامن النفطية حتى ولو تطلب الأمر تحجيم الإنتاج بمعدلات واطئة وبحدود 2 مليون برميل يومياً. إن ذلك ليس بالأمر الهين حيث سيتطلب الكثير من الجهد والأموال والمساعدات الفنية.

وفي هذا المجال يمكن الاستفادة بجهود الشركات الأجنبية العاملة في مجال الخدمات والهندسة والإنتاج والحفر، وعلى أساس المقاولة ويكون ذلك ضمن المرحلة الأولى لتأهيل حقول النفط قيد الإنتاج مع المضي في الوقت نفسه في تأهيل وتطوير عدد من الحقول الصغيرة التي كانت معدة للتطوير والإنتاج منذ الثمانينيات بما في ذلك حقول خباز وحمرين وخرماله وعجيل واللحيس وصبة والبزركان وأبو غرب وجبل فكة وغيرها. وذلك من قبل الوزارة ومن خلال أجهزتها الوطنية والمقاولين المحليين وتترجم الخطة أعلاه إلى مشاريع عدة منها:

أ ـ دراسات شاملة جيولوجية ومكمنية من أجل تقييم جميع المكامن والحقول وبشكل خاص الكبيرة منها في كركوك والرميلة والزبير وغيرها. ويتم إعدادها على مراحل من أجل ترجمتها تدريجياً إلى إجراءات وأعمال على الأرض.

ب ـ إجراء عمليات فحص شاملة لمنشآت الإنتاج والخزن والنقل والمباشرة بالمعالجات اللازمة لها من إصلاح وصيانة وبناء ما تم تدميره منها خلال الحروب والنهب والسلب.

ج ـ المباشرة الفورية وعلى نطاق واسع بعمليات الحفر الاستصلاحي لكافة آبار النفط وحقن المـاء.

د ـ المباشرة بحفر آبار جديدة للتعويض عن الآبار المفقودة بسبب الجفاف أو غيره.

هـ ـ التشريع بتنفيذ مشاريع معالجة النفط الرطب واللازمة في حقول الرميلة وكركوك وباي حسن وغيرها.

وـ إعادة تأهيل كابسات الغاز ضمن منظومة غاز الشمال وغاز الجنوب بالإضافة إلى شبكة الأنابيب للسعي إلى الاستفادة من أكبر قدر ممكن من الغاز المصاحب.

ز ـ استكمال بناء محطة الضخ الثانية الواقعة على الخط العراقي ـ التركي ومنظومة الاتصالات والحماية الكاثودية من أجل إعادة رفع طاقة الخط التصديرية إلى ما كانت عليه والبالغة 1.65 مليون برميل يومياً .

ح ـ المباشرة السريعة بإعادة بناء الخزانات المتضررة في حديثة وكركوك لتوفير المرونة التشغيلية اللازمة للتصدير.

ط ـ المباشرة السريعة بإعادة بناء الخزانات المتضررة في المنطقة الجنوبية وخاصة في مستودعي الزبير 1 و 2، ومستودع الطوبة بالإضافة إلى المضي بإنشاء خزانات في منطقة الفاو.

ي ـ وضع خطة تشغيلية تتناسب ومستلزمات العودة إلى الخطط التسويقية السابقة بتصدير أكثر من نوع واحد من نفوط المنطقة الجنوبية، حيث يتم حالياً مزج نفوط البصرة الخفيف مع بقية النفوط المتوسطة والثقيلة من حقول البصرة وميسان وبالتالي تصديرها بدرجة كثافة متدنية بحدود 31 درجة بل وأقل في بعض الحالات في حين يمكن كمرحلة أولى تصدير نوعين من النفوط مما يستوجب تأهيل منظومة الخزن والنقل في المنطقة الجنوبية.

ك ـ استكمال إصلاح المنشآت المتضررة في ميناء البصرة العميق وإعادة تأهيله بشكل كامل، وبشكل خاص توفير منظومة العدادات لقياس كميات النفوط المصدرة وضمان تغييرها بشكل دوري.

ل ـ المضي قدماً بإعادة تأهيل ميناء خور العمية بكامل الأرصفة للتحميل.

م ـ أما بالنسبة إلى منظومة الخط العراقي عبر السعودية فإن الأمر يتطلب أولاً بحث الموضوع مع الجانب السعودي الذي أقدم في حزيران/يونيو عام 2000 على وضع يده والاستيلاء على كامل المشروع الواقع في أراضيه واستخدامه لأغراضه. وفي حالة التوصل إلى اتفاق لإعادة التشغيل، فيمكن عندئذ وضع الخطط اللازمة من أجل إعادة تأهيل المنظومة الواقعة داخل الأراضي العراقية في ما يتعلق بمحطتيْ الضخ والخزن والأنابيب.لقد قام العراق ببناء وتمويل كامل المشروع ومن حقه الاستفادة منه وفق الأسس والتفاهمات التي أتفق عليها مع السعودية0

إن الهدف مما تقدم هو لضمان توفير طاقة تصديرية تتناسب مع حجم الطاقات الإنتاجية التي سيتم الوصول إليها، وبعكسه قد يتطلب الأمر التفكير ببدائل أخرى. وفي هذا السياق وبضوء التجارب التي مر بها العراق مع جيرانه فإن الاعتماد يجب أن يكون على الموانئ العراقية أولاً الواقعة على الخليج العربي وهي مينائيْ البصرة وخور العمية والتي يمكن تأهيلها ورفع طاقاتها التصديرية إلى ما يقرب من 3 مليون برميل كمرحلة أولى.

أما بالنسبة إلى طاقة الخطوط الفرعية عبر سوريا، فإنها تعتبر بحكم المغلقة نظراً إلى استعمال الأجزاء الواقعة داخل سوريا ضمن منظومة الأنابيب السورية للتصدير، وبالتالي فإن استخدامها سيكون محدداً بما يمكن تصديره إلى سوريا كما تم خلال الفترة 2000 – 2002 والتي وصلت إلى ما لا يزيد عن 250 ألف برميل يومياً.وكذلك الحال بالنسبة إلى الأردن حيث يمكن استخدام المنظومة على أساس التحميل من محطة الضخ في T4 بطاقة حوالى ( 100 ) ألف برميل  يومياً على الشاحنات الحوضية، أو بواسطة الأنابيب في حالة إحياء فكرة مد خط إلى مصفاة الزرقاء في الأردن.

إن الخطة أعلاه في حالة تطبيقها بشكل علمي ومبرمج وضمن ظروف الأمان والسلام وفي حالة توفير الصلاحيات اللازمة للقطاع النفطي للتعاقد وكذلك التخصيصات المالية اللازمة، فإنه قد يكون بالإمكان الصعود بالطاقة الإنتاجية خلال 3 سنوات إلى 3.5 مليون برميل  يومياً ووفق صيغ سليمة من أساليب الصيانة والتشغيل وإدارة المكامن .

- أما في ما يتعلق ببرامج مضاعفة الطاقات الإنتاجية والوصول إلى معدلات تصل إلى 6 مليون برميل يومياً أو ما يزيد، فإن الأمر يتطلب إجراءات منفصلة وسياسة جديدة واضحة المعالم يمكن أن تستند إلى ما يلي:

1 . إقرار سياسة نفطية مرنة من قبل الجمعية الوطنية المنتخبة يرافقها تشريعات قانونية ومالية مرنة تتيح المضي بصيغ استثمارية لمشاركة جهات أجنبية.

2. تشريع قانون جديد للثروة الهايدروكاربونية.

3 . اعتماد نظام شفاف يسمح بإعطاء فرص متكافئة لشركات النفط العالمية والوطنية وغيرها ممن لها الخبرة الفنية والتكنولوجية والكفاءة المالية، ويفضل العمل على تشجيع التعاقد مع كونسورتيا بدل من الصيغ الانفرادية.

4. من المتوقع أن يكون هناك ضغوط خارجية سواء من حكومات أو شركات استثمارية أجنبية وكذلك من جهات داخلية سياسية أم عرقية من أجل التأثير على صنع القرار، مما يتطلب توفير الحماية التشريعية من إجراء ضمان اتخاذ قرارات عقلانية مستندة إلى أسس سليمة.

5 . بحكم ما يتوافر لدى العراق من احتياطيات نفطية ضخمة، فإن من مصلحته الأساسية إطالة عمر استخدام النفط والحفاظ على نسبته ضمن سلة مصادر الطاقة، وبالتالي تكمن مصلحة العراق في الحفاظ على منظمة الأوبك من أجل ضمان استقرار الأسواق وتحقيق أسعار مقبولة تحافظ على مصالح المنتجين ولا تلحق الضرر بالمستهلكين، وبالتالي فإن وجود أسواق مضطربة أو أسعار مرتفعة جداً أو رخيصة جداً لا تصب في مصلحة العراق.

6  . هناك عدة صيغ متعارف عليها للعمل مع شركات النفط في مجال استثمار الثروة النفطية والتي تم العمل بموجبها في عدد من دول العالم والتي قامت الكوادر العراقية وبشكل خاص خلال التسعينيات بدراستها والتباحث حولها مع عدد من الشركات وتوصلت إلى عقود بصيغ مختلفة منها:

عقود المشاركة              Production Sharing Agreements

عقود إعادة الشراء           Buy-Back Contracts

عقود التطوير والإنتاج Development and Production Contracts

عقود الخدمة                Service Contracts

عقود الاستكشاف والإنتاج   E and P Contracts

وتتباين عناصر المجازفة فيها بالنسبة إلى دور الشركات الأجنبية في كل صيغة وحسب كل حقل أو تركيب ومراحل تقييمه.

وفي رأيي فإنه يمكن اللجوء إلى أكثر من صيغة واحدة وحسب طبيعة الحقل موضوع البحث وحجمه والمراحل التي وصلت إليها عمليات التقييم والإنتاج الجزئي أحياناً ( كما في غرب القرنة ومجنون)

وفي جميع الحالات سيتم ربط تلك الحقول الجديدة بشبكة النقل والخزن والتصدير القائمة حاليا والتي يفترض آن يتم إعادة تأهيلها وتحديثها وتوسيعها.

7 . لقد تحدثنا وبشكل مسهب عن العدد الكبير من الحقول والجاهزة للتطوير إلا أن السير بجميعها هو أمر أقرب للمستحيل وقد ورد في خطط وزارة النفط وكما عرضتها في مؤتمر عام 1995 وحسبما مفصل في جدول مرفق على حوالى 25 حقلاً وبالتالي فإن على الوزارة أن تقوم بتحديد أولوياتها حسب حجم الحقل وموضعه وكلفة الإنتاج وقربه من شبكة الأنابيب والخزن ونوع النفوط المنتجة منه وغير ذلك من الاعتبارات.

إن الوزارة – وكما أسلفنا – ستحتاج إلى فترة لا تقل عن سنة لغرض إعداد وتشريع قانون صيانة الثروة الهايدروكاربونية،  ثم إعداد السياسة النفطية وبرامج التطوير واستحصال المصادقة عليها، كذلك العمل وبشكل متوازٍ على إعداد الدولة للتشريعات القانونية والمالية التي تمكن الشركات الأجنبية من العمل في العراق ومن ثم المباشرة بمرحلة المفاوضات لعدد محدود من الحقول في كل مرة.

ستبقى مشكلة العقود والاتفاقيات التي تم التوصل إليها خلال فترة النظام السابق وسعي الجهات الأجنبية ذات العلاقة لاعتبارها شرعية ونافذة المفعول وحتى مكتسب لها قانوناً رغم عدم قيامها بتنفيذها. وهنا يمكن أن يتم تقسيم تلك العقود والاتفاقيات إلى عدة مجاميع كما يلي:

-   عقود تم إبرامها وإقرارها بشكل قانوني من قبل النظام السابق كما حدث في عقد حقل غرب القرنة مع المجموعة بقيادة لوك اويل الروسية وعقد حقل الأحدب مع شركة (CNPC) الصينية. وكما ذكرنا فإن شركة لوك أويل هددت أكثر من مرة باللجوء إلى القضاء والتحكيم الأجنبي لمنع قيام العراق أو أية شركة أجنبية بالعمل على حقل غرب القرنة.

وبالتالي فإنه من المصلحة المشتركة أن يتم إعادة التفاوض حول العقد المبرم ومراجعة الشروط المتفق عليها والطلب إلى الشركة الروسية توسيع رقعة الجهات الأجنبية المشاركة معها لضمان توفير قدرات فنية واسعة ذات تكنولوجيا متطورة وإمكانات حالية مع تحديد برنامج وخطة عمل واضحة بموجب منهاج زمني محدد.وكذلك الحال بالنسبة إلى حقل الأحدب وغيره .

-   مجموعة العقود والاتفاقيات التي تم التوقيع عليها ولم يتم مصادقة السلطات العليا في النظام السابق وبالتالي فيمكن التراجع عنها على أن تعطى الجهة الأجنبية الموقعة على حق المشاركة في أية مناقصة لاحقة لذلك الحقل أو غيره.

-   مجموعة مذكرات التفاهم والتي لا سند قانوني لها كما وأنها تتناول تطوير حقول أو رقع من الأراضي ليست ذات أولوية وهذه يمكن إيقاف العمل بها.

وأرى إنه من مصلحة العراق الإبقاء على تنوع واسع من مشاركة الشركات النفطية والاستثمارية وكذلك شركات الهندسة والمقاولات وعقود التجهيز، ومن جنسيات مختلفة ولكن مع الحفاظ على النوعية واستبعاد جعل العنصر السياسي الأساس الوحيد في الاختيار كما كان سابقاً، كما أدى إلى إبرام اتفاقيات مع دول تقل خبرة وكفاءة عما متوافر لدى العراقيين أنفسهم.

كما أن تشجيع تشكيل مجاميع (Consortia) وخاصة للحقول الكبيرة العملاقة سيكون من مصلحة العراق.

-   أن أي عقد أو اتفاق لتطوير الحقول النفطية يجب أن يشمل في الوقت نفسه تطوير النفط والغاز سوية، ورفض إعطاء الغاز أولوية ثانوية ولأي سبب كان.

-   يتم وضع الخطط – وكما كان مخططاً سابقا في ثلاث مراحل من التخطيط – على استهداف إنتاج طاقة تقرب من 6 مليون برميل يومياً والأفضل العمل على الوصول إلى ذلك بشكل متدرج خلال مراحل تنفيذ العمل ومن ثم وعلى ضوء ما سيستجد من دراسات جيولوجية ومكمنية وعمليات استكشافية لعموم القطر أفقياً وعمودياً يمكن وضع الخطط اللاحقة لتطوير الإنتاج إلى 8 أو 10 مليون برميل يومياً.

-   إن خطط الوزارة يجب أن تتضمن – إضافة إلى برامج تطوير الحقول حسبما ذكرناه في أعلاه – برامج محددة واضحة لتوسيع عمليات المسح الزلزالي في عموم القطر بما في ذلك إعادة عمليات المسح للعديد من الحقول المنتجة، وكذلك عمليات الحفر الاستكشافي والتقييمي وتقييم النتائج وإعداد الدراسات المكمنية.

ونرى أن يتم تطوير القدرات الذاتية بشكل موازٍ لبرمجة العمل مع جهات أجنبية والتي تكلف بتنفيذ عقود محددة دون أي ربط مع ما يتم اكتشافه من نفط و / أو غاز، والمتضمن أيضاً منفذاً لتدريب الكوادر العراقية وبالتالي إعادة بناء الدوائر المتخصصة وإغنائها بالقدرات والكفاءات البشرية والتكنولوجية كدوائر الاستكشاف والمكامن وغيرها.

 ثالثاً: صناعة التكرير

مباشرة بعد الحرب على العراق في آذار/مارس 2003 باشرت سلطات الاحتلال الأمريكي بعمليات استيراد المشتقات النفطية رغم أن مصافي النفط لم تتعرض بشكل أساسي لعمليات التدمير أو عمليات السلب والنهب بشكل عام، وخاصة بعد قيام العاملين فيها بحمايتها من عناصر مخربة مجهولة الهوية. وتعرضت حملة استيراد المشتقات النفطية من خلال شركة هالبيرتون الأمريكية إلى جدل كبير وخاصة في أوساط الكونغرس الأمريكي بعد ثبوت حصول تلاعب في عملية نقل وتسعيرة تلك المشتقات وخاصة من الكويت. كما أن وتيرة وحجم الاستيراد تصاعدت من مصادر عدة في الكويت وتركيا والسعودية رغم أن مصافي النفط في العراق كانت تستلم النفط الخام ولم تكن قد بدأت فعلاً عمليات تخريب أنابيب النفط وكانت الحجة لذلك هو زيادة عدد السيارات التي سمح باستيرادها من قبل الأفراد والتي بلغت خلال السنتين الماضيتين ما يقرب من المليون سيارة معظمها مستعملة، وحسب اعتراف المصادر الرسمية في وزارة النفط والتي أخذت على عاتقها كلياً منذ أواسط عام 2004 عملية الاستيراد فإنها تنفق ما يقرب من 200 – 250 مليون دولار شهرياً، أي بكلفة تصل إلى 3 مليار دولار سنوياً. وبهذا يكون العراق قد صرف خلال السنتين الأولى من عهد الاحتلال ما يقرب من خمسة مليارات دولار لاستيراد المشتقات النفطية.

كما وأنه منذ تشرين الأول/أكتوبر 2004 شهد العراق تطوراً سلبياً وظاهرة تمثلت في حصول نقص شديد في المشتقات النفطية عزته السلطات المسؤولة إلى هبوط طاقة التصفية في القطر إلى حوالى 50 – 60 بالمئة من طاقتها الفعلية بسبب تعرض أنابيب تجهيز النفط الخام للتخريب وضعف القدرة الكهربائية، إلا أن الأمر تعدى ذلك إلى تفشي ظاهرة الفساد داخل أجهزة الوزارة والمستودعات ومحطات التعبئة وبيع المشتقات في السوق السوداء وعلى مسافة أمتار من محطات التعبئة أو في داخل أزقة ودور سكنية وبأسعار وصلت في بعض الأوقات إلى أكثر من 40 ضعفاً. وتعدى الأمر موضوع بنزين السيارات ليشمل أيضاً اسطوانات الغاز السائل والنفط الأبيض وزيت الغاز، وأصبح الشغل الشاغل للمواطن الوقوف لساعات طويلة أمام محطات التعبئة والسعي وراء زيت الغاز لحاجته لتشغيل مولدات الكهرباء وذلك بعد أن استمرت مشاكل توفير الكهرباء ووصلت إلى حالة مزرية عندما أصبح معدل تجهيز الكهرباء لا يتعدى بضع ساعات يومياً واعترف المسؤولون في آذار/مارس 2005 بأن ما متاح من طاقة توليد كهربائية هي بحدود 3600 ميغاواط بالمقارنة مع ما كانت عليه قبل الحرب والبالغة بحدود 4500 ميغاواط رغم ادعاء سلطات الاحتلال ووزارة الكهرباء العراقية على أنها قامت بصرف ما يقرب من 8 مليارات دولار على محطات التوليد وشبكات الكهرباء لا يجد المواطن دليلاً عليها.

نعود إلى موضوع توافر المشتقات النفطية ونقول إن تلك الظواهر ستستمر لبعض الوقت وقد يصل إلى بضع سنوات وإلى حين تمكن الوزارة من بناء طاقات تصفية جديدة أو إعادة تأهيل وإضافة وحدات تكسير وتحسين في المصافي الحالية، ويبدو أن العراق ما زال في مرحلة التخطيط الأولي لانشاء مصفاة أو اثنتين بطاقة إجمالية قد تصل إلى 400 ألف برميل يومياً ولكن يبدو أن مشاكل التمويل قد تدفع بالوزارة وربما ضمن نهج مقصود إلى دعوة جهات أجنبية لبناء وتشغيل تلك المصافي وتحديد نمط جديد من الأسعار، وهو أمر سنتعرض له لاحقاً .

ندرج بعض الأمور الأساسية حول منشآت ونمط التصفية في العراق:

-   إن المصافي العراقية هي مصافي قديمة ولا تحتوي معظمها على وحدات تكسير مما يجعل نسبة الوقود الثقيل المنتج عالية، فقد بني مصفى الدورة عام 1955 بطاقة 70 ألف برميل يومياً ومصفى البصرة على مرحلتين في أوائل السبعينيات بطاقة 140 ألف برميل يومياً، ومجمع مصافي بيجي في أوائل الثمانينيات بطاقة إجمالية تبلغ 290 ألف برميل يومياً موزعة على ثلاث مصافي.

-   لسد النقص في الحاجة إلى المشتقات عمد العراق وعلى مراحل ومنذ أوائل السبعينيات إلى شراء وحدات تصفية متنقلة بطاقة 10 آلاف برميل يومياً ثم قام خلال النصف الثاني من التسعينيات ببناء عدد آخر وتم توزيعها على مناطق مختلفة من العراق مثل الكسك والحبانية وكركوك والصنية والسمارة والناصرية وغيرها، لاعتبارات عسكرية ومدنية بطاقة إجمالية تصل إلى أكثر من 200 ألف برميل يومياً، إلا أن معظمها لا يحتوي على وحدات تحسين البنزين ويكون إنتاجها من الوقود الثقيل عالياً هذا ويستمر العمل حالياً وخلال سنة 2005 بنصب وحدات مصنعة محلياً في مناطق متفرقة من العراق مثل كويسنجق والنجف والسماوة غيرها.

-       تبلغ الطاقة الإجمالية لوحدات التصفية حسب طاقتها التصميمية أكثر من 700 ألف برميل يومياً.

-       بلغت أقصى معدلات الاستهلاك قبل الحرب على العراق بحدود 350 ألف برميل يومياً عام 2002.

-   نظراً إلى طبيعة وحدات التصفية البسيطة، فإن نمط التصفية كان يتم اعتماداً على الحاجة المحلية للبنزين وبالتالي الاضطرار إلى تكرير كميات أكبر من النفط الخام ومن ثم بقاء فائض من الوقود الثقيل وأحياناً أنواع أخرى من المشتقات كزيت الغاز والنفط الأبيض، مما يشكل اختناقاً في حالة عدم وجود منافذ للتصريف والتي تتمثل بإحدى الوسائل التالية التي اعتمدها العراق منذ عام 1983:

-       الحرق وتم ذلك في حالات استثنائية وخاصة بعد حرب الخليج الثانية.

-   الحقن في المكامن وخاصة في كركوك وقد وصل معدلها من المشتقات النفطية أحياناً إلى أكثر من 200 ألف برميل يومياً عدا النفط الخام المجرد من الغاز.

-       الحقن بأنابيب النفط الخام المعدة للتصدير.

-   التصدير بواسطة الشاحنات الحوضية إلى الخارج وخاصة تركيا والأردن، وقد بلغ حجم المشتقات النفطية التي كان يتم تصديرها عبر تركيا والأردن قبل آب / أغسطس1990 بحدود 200 ألف برميل يومياً.

وكان هذا الأسلوب هو ما لجأت إليه الحكومة العراقية في التسعينيات وخاصة بعد زيادة حجم الإنتاج والتصفية منذ عام 1997 على الرغم من أنه كان مخالفاً لبرنامج النفط مقابل الغذاء وكان الجزء الأعظم منه يرسل إلى تركيا، ثم بعد عام 2000 إلى سوريا وكذلك إلى الأردن ويعتبر فارق الأسعار بين ما معتمد في تلك الدول وما يتم دفعه للعراق كبيراً ومغرياً جداً.

هذا ولا تزال سوق المشتقات النفطية لتهريبها للخارج بعد الحرب على العراق ولغاية يومنا هذا بل وربما زادت معدلاتها بنسب كبيرة بعد إمكانية التمويه مع ما يستورد من مشتقات إلى الداخل، إضافة إلى تفشي الفساد والرشوة بين العاملين في محطات التعبئة والمستودعات وكذلك المستهلكين الرئيسيين كمعامل الطابوق وغيرها، والتي لجأت إلى إعادة البيع بدلاً من استخدامه في مصانعها.

-   كان من المخطط الاستغناء التدريجي عن مصفى الدورة في التسعينيات حيث كان مقرراً إنشاء مصفى الوسط في منطقة المسيَّب جنوب بغداد بطاقة 150 ألف برميل يومياً وإنجازه عام 1990، وبوشر بالفعل بعمليات مد خطوط الأنابيب والخزانات، إلا أن الحكومة العراقية أمرت بإيقاف إحالة العقود الرئيسية في عام 1987 بحجة إناطة مسؤولية تنفيذه بوزارة التصنيع العسكري على أساس التنفيذ المباشر، إلا أن الأخيرة والتي لم يكن أصلاً تتمثل لديها مثل تلك القدرات لم تتمكن من قطع أي شوط لتنفيذه وأعيدت مسؤوليته مجدداً إلى وزارة النفط عام 1993 ولظروف الحصار فإن الوزارة لم تتمكن من تنفيذه. وقد تعرض عددٌ من تلك المنشآت بما في ذلك الخطوط، للنهب والسلب والدمار عام 2003.

-   بقيت مواصفات المشتقات النفطية دون المستوى المطلوب وكان من المخطط في عام 1989 – 1990 إضافة عدد من وحدات الأزمرة ووحدات نوعية أخرى لغرض تحسين المواصفات والمباشرة بانتاج بنزين ذو درجة 95 عام 1995 وذلك بدلاً من الإنتاج آنذاك بدرجة 90 أوكتان.  وبعد غزو العراق للكويت وفرض الحصار قامت الوزارة – بموافقة الحكومة – بتخفيض درجة الأوكتان إلى 87 درجة بهدف الحفاظ على خزين مادة الـ ( TEL ))   (Tetra Ethylene Lead والمحتكرة من قبل شركات أمريكية محدودة ، ورغم ادعاء   أجهزة التصنيع العسكري  على قدرتها لتصنيع تلك المادة فإنها لم توفِ بوعد هي أبعد مما هي قادرة عليه، وكان ذلك أحد الأسباب الرئيسية الذي أدى في تشرين الأول/أكتوبر 1990 إلى تقنين توزيع البنزين وبأمر مباشر من صدام حسين شخصياً وبعد عرض الموضوع عليه.

لقد ورد في التقرير الدوري للأمين العام للأمم المتحدة عن تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء والصادر في 10 آذار/ مارس 2000 حول واقع نشاط التصفية بأن المصافي الرئيسية الثلاث في بيجي والبصرة والدورة قد تم إعادة تأهيلها جزئياً من أجل العمل لوحداتها الرئيسية ولغرض تحقيق ذلك دون الحصول على الأدوات الاحتياطية، فإن بعضاً من الوحدات المتضررة قد تم تفكيكها واستخدامها كأدوات احتياطية وبالتالي لا يوجد أي وحدات مساندة أو احتياطية للوحدات العاملة، وبالتالي فإن فشل الوحدات العاملة والمحتمل كثيراً لعدم توافر الأدوات الاحتياطية والمعدات سيقود إلى تغيير كبيرٍ بطاقة التصفية.

كما ذكر التقرير بأن نوعية المشتقات النفطية تبقى ذو نوعية سيئة جداً كما وأن المياه المتعامل معها كيميائياً داخل المصافي تؤدي إلى إلحاق أضرار كبيرة على البيئة، بالإضافة إلى أن انعدام السلامة وأجهزة مكافحة الحرائق ومعدات الحفاظ على البيئة تبعث على درجة عالية من القلق.

كما ذكر التقرير على أن عدم عمل معدات السيطرة والآلات الدقيقة قد أدت إلى اعتماد أسلوب التشغيل اليدوي لمعظم وحدات التصفية. إن ذلك بالإضافة إلى النقص في الأدوات الاحتياطية والمعدات قد أدى إلى تسارع تدهور معدات التصفية والى انحدار في معنويات العاملين على تشغيل تلك المصافي.

أذكر ما تقدم والذي ورد في أوائل عام 2000 لأشير إلى أنه ومنذ ذلك التاريخ ربما لم يحصل من تحسين على الأوضاع – إن لم يكن العكس في بعض الحالات – وخاصة بعد الحرب على العراق وما أعقبها من عمليات تخريب وبالتالي فإن واقع المصافي العراقية هو سيىء بكل معنى الكلمة، ونظراً إلىعدم القدرة على إضافة أو حتى استبدال أي وحدات داخل المصافي والتي بإمكانها تحسين المواصفات، وبالتالي فإن أحد أهم التحديات هو العمل السريع على تحسين المواصفات، إضافة إلى زيادة طاقات التكرير على أن تكون على درجة عالية من التعقيد لإنتاج النوعيات المطلوبة من المشتقات النفطية وبالمواصفات العالمية.

-   تجهيز محطات توليد الكهرباء بالوقود الثقيل وتعتبر مسألة موازنة تجهيز الوقود لمحطات الكهرباء معقدة بضوء طبيعة بعض وحدات توليد الكهرباء ونوعية الوقود الثقيل والذي يحتوي أحياناً على نسب عالية من الكبريت والمعادن.

-   لمحدودية طاقات خزن المشتقات النفطية داخل المصافي وخارجها، فإنها تتعرض أحياناً إلى حالات من الاختناق في حالة هبوط معدلات التصريف مما يؤدي إلى تخفيض طاقات التصفية.

-   تعرضت مصافي بيجي والبصرة خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية ثم خلال حرب الخليج الثانية في 1991 لكثير من الدمار بسبب القصف الجوي والمدفعي، ولا زالت عدد من وحداته المساعدة غير عاملة مما يؤثر على حجم ونوعية المشتقات المنتجة .

-       اضطرت الكوادر العراقية وخاصة بعد عام 1991 إلى السعي وراء بدائل للمواد الاحتياطية اللازمة والذي تعذر استيرادها خلال فترة الحصار، مما جعل طبيعة الصيانة والتصليح دون المستويات الفنية المقبولة. ولجأت تلك الكوادر أحياناً إلى تفكيك وحدات تصفية صغير لاستخدامها كأدوات احتياطية (Cannibalization)

-   تعثرت كثيراً برامج الصيانة المبرمجة منذ عام 1991 لصعوبة الحصول على الأدوات الاحتياطية أو بسبب الحاجة إلى استمرار عمليات التشغيل لتوفير المشتقات، وقد أثر ذلك أيضاً على الكفاءة الفنية والتشغيلية للمصافي.

-   تم تدمير الجزء الأعظم من الخزانات في مستودعات حمام العليل والمشاهدة واللطيفية، إضافة لما هو موجود داخل أسيجة المصافي ولم يتم إعادة بنائها باستثناء نسبة قليلة جداً مما يؤثر على المرونة التشغيلية وطاقة الخزن.

-   هبطت مستويات السلامة مما أدى إلى تعرض العاملين لعدة حالات من التسمم أو المخاطر وبالتالي فقدان لعدد من الضحايا.

-   تتضمن المصافي الرئيسية الثلاث على وحدات للنتاج الدهون بما في ذلك معامل لصنع البراميل والعبوات وتعبئتها وتتوزع تلك الطاقات على الشكل التالي:

-       مجمع مصافي بيجي 1982: 250 ألف طن سنوياً موزعة على وحدتين رئيسيتين.

-       مصفى البصرة 1972: 100 ألف طن سنوياً

-       مصفى الدورة 1955:  120 ألف طن سنوياً موزعة على وحدتين رئيسيتين.

ويفوق الإنتاج في حالة عمل تلك الوحدات بطاقاتها – عن الحاجة المحلية ويتم تصدير الدهون الأساسية (Base Lube) للخارج نظراً لنوعيته الممتازة، إلا أن الوحدات أعلاه تعرضت أيضاً إلى اللدمار بسبب الحروب أو التوقف بسبب عدم الصيانة والتصليح.

-   وفي حزيران/يونيو 1990 أوشكت الوزارة – وبتغيير نوعي في أسلوب العمل – على إبرام اتفاقية مع شركة اجب الإيطالية وبعد منافسة مع شركات عالمية لغرض إنتاج دهون تحت علامة جديدة لغرض التسويق الخارجي، ولا زال العراق يغطي حاجاته المحلية مع استيراده للمحسنات والمذيبات من الخارج. هذا وتقوم الوزارة حالياً باستيراد أربعة أنواع من المشتقات النفطية وتتباين كمياتها حسب تغير المواسم وبالتالي حجم الحاجة إليها وبخاصة البنزين والذي زاد حجم استهلاكه إلى حوالى الضعف بسبب الأعداد الكبيرة من السيارات التي دخلت العراق.

هذا وتعتمد المصافي العراقية على تكرير نفوط كركوك والبصرة / الخفيف وهي من الأنواع المرغوبة للتصدير مما يستوجب الأمر لدى بناء مصافي جديدة تصميمها على أساس النفوط المتوسطة والثقيلة.

 أسعار المشتقـات النفطيـة

يبدو أن السلطات العراقية الحالية مدعومة من قبل جهات أمريكية تستعد لإجراء تغيير جذري في هيكلية الأسعار ويعتبر البعض أن رفع الأسعار في السوق السوداء ما هو إلا خطوة تمهيدية لإعداد العراقيين إلى مثل تلك الأسعار والتي وصلت معدلاتها القصوى إلى ما يقرب من الأسعار الرسمية في الدول المجاورة، ومن المؤكد أن يشترط صندوق النقد الدولي لفرض المضي بقرارات تخفيض ديون العراق المتخذة من قبل نادي باريس على قيام السلطات العراقية بالرفع التدريجي للدعم الحكومي للسلع والخدمات بما في ذلك أسعار المشتقات النفطية والكهرباء والماء والهاتف وغيرها.

وقد قامت وزارة النفط برفع مقترح أوائل عام 2005 إلى مجلس الوزراء يتضمن إصدار تشريع بالسماح للقطاع الخاص بإنشاء مصافي أو استيراد مشتقات نفطية وبيعها في السوق المحلية بأسعار السوق مع تحديد كميات ما يجهز بالأسعار الرسمية من خلال قسائم تتيح لحامليها استخدام أو بيع تلك الكميات على أن يتم العمل على رفع الأسعار الرسمية إلى ما يقرب من ثلثي مثيلاتها في السوق وعلى أن تصبح بالمستوى نفسه خلال فترة 1.5 – 2 سنة0 إن مثل هذا التغيير المفاجئ سيكون له أثر اقتصادي سلبي على المواطنين ومدخولاتهم وقوتهم الشرائية.. إننا نقر بأن هناك خللاً كبيراً في هيكلية الأسعار، إلا أنه لا يمكن إجراء مثل تلك التغييرات المفاجئة خلال فترة زمنية قصيرة بل يمكن توزيعها على فترة زمنية معقولة مع مراعاة الواقع المالي والاقتصادي للبلد والمواطنين.

إن تصحيح هيكلية الأسعار أمر أصبح وارداً ويجب أن يتم دراسته وتطبيقه بما يضمن القضاء على السوق السوداء ومكافحة التهريب إلى الدول المجاورة بشرط تطبيق خطط موازية من الرقابة والتفتيش على المستودعات ومحطات التعبئة ومعاقبة المسيئين، بالإضافة إلى مراقبة عمليات التهريب عبر الحدود البرية والبحرية بعقوبات مشددة، وبالتالي وضع برنامج قد يتراوح بين 5 – 10 سنوات للوصول إلى الحدود المعقولة للأسعار وبشكل مترادف مع إجراءات تحسين القدرة الشرائية للمواطن وخاصة الموظفين والمتقاعدين.

الخطة المقترحة في مجال تصفية النفط

يستوجب وضع خطط عاجلة وقابلة للتنفيذ بشكل فوري لإنشاء مشاريع جديدة ولتأهيل المصافي الثلاث الحالية من دون استثناء وبشكل متوازي تتضمن: 

  -   إعادة إعمار شاملة ومتكاملة للمصافي الرئيسية في كل من بيجي والدورة والبصرة،كما تتضمن إجراء فحص شامل لكافة المنشآت والمراجل والضاغطات واستبدال ما يلزم منها مع إضافة وحدات تضمن زيادة نسبة المشتقات الخفيفة وتقليل نسبة الوقود الثقيل بإضافة وحدات تكسير بالهيدروجين مع تحسين في نوعية ومواصفات المشتقات النفطية وتخفيض نسبة الكبريت وزيادة نسبة الأوكتان في البنزين تدريجياً للوصول إلى معدلات مقبولة وملائمة لظروف البيئة، وكذلك إلى توسيع فرص التصدير للخارج ويتضمن ذلك اضافة وحدات الأزمرة ووحدات معالجة الكبريت.

-   اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة المياه المعاملة كيميائياً ومنع تصريفها في الأنهر ومعالجة ما يطرد من غازات سامة للهواء.

-       السعي إلى تقليص نسبة الكبريت في زيت الغاز والوقود الثقيل.

-       تأجيل إلغاء مصفى الدورة كما كلن مخططاً سابقاً وإلى حين توفير مصافي جديدة.

-   تقليل استخدام مادة رابع أثيلات الرصاص (TEL) لرفع درجة أوكتن البنزين وذلك من أجل تقليص نسبة الرصاص في البنزين.

-   معالجة وحدات إنتاج الدهون وصيانتها وتشغيلها بطاقاتها التصميمية والعمل على عقد اتفاق مع شركة عالمية لضمان تصديرها إلى الخارج بمواصفات وعلامة تجارية مقبولة، مع صيانة وتحديث وحدات إنتاج العلب والبراميل في المصافي الثلاث.

-       العمل على فحص وإعادة تأهيل أنابيب الوقود الثقيل التي تنقل الوقود من المصافي إلى محطات توليد الكهرباء.

-   تنظيف وتأهيل جميع خزانات النفط الخام والمشتقات النفطية وإعادة بناء ما هو مدمر منها وإضافة ما هو مطلوب لتحسين عمليات التشغيل وتوفير المرونة اللازمة لذلك.

-   تحسين شبكة نقل القدرة الكهربائية من محطات التوليد، مع إضافة مولدات خاصة بكل مصفى كطاقة احتياطية عند الطوارىء.

-   إعادة النظر بمنظومة وحدات التصفية الصغيرة المنتشرة في العراق والعمل على إعادة توزيعها على شكل مجمعات في مراكز الاستهلاك الرئيسية، على أن يتم توفير وحدات الميروكس ووحدات تحسين البنزين والخزانات وغير ذلك.

ويهدف ذلك إلى:

-   المباشرة بإنشاء مصفى الوسط كما كان مقرراً سابقاً في منطقة المسيب بطاقة 150 ألف برميل يومياً بعد إعادة دراسة وتقييم وثائق المناقصة المعدة في حينه وتحديثها بما يتماشى والتطورات التكنولوجية خلال العشرين سنة المنصرمة.

-   إعداد دراسة متكاملة من أجل إنشاء مصفى جديد بطاقة تتراوح بين 200-300 ألف برميل يومياً من اجل ألتصدير كهدف أساسي واستخدامه لتغطية أي نقص في الاستهلاك المحلي، وربما يتم تصميمه لاستخدام النفط المتوسط والثقيل بدلاً من نفوط البصرة وكركوك.

-   استكمال شبكة نقل المنتجات النفطية مع وحدات التصفية ونفطية محافظات القطر بشكل أكمل بهدف تقليص عمليات النقل بالسيارات الحوضية.

-       إعادة تشكيل شركة متخصصة لإدارة قطاع التصفية في (القطر شركة مصافي النفط ) تحت مظلة وزارة النفط.

ولا ضير من السماح للاستثمار الأجنبي بالمشاركة مع شركة مصافي النفط لإنشاء المصافي الجديدة وتصدير المشتقات النفطية إلى الخارج .

 رابعاً: صناعة الغاز

بموجب الأرقام الرسمية لوزارة النفط العراقية، فإن احتياطيات الغاز هي 3100 مليار متر مكعب كاحتياطي مثبت   و4350 مليار متر مكعب كاحتياطي محتمل مع العلم بأن 70 بالمئة من ذلك الاحتياطي هو غاز مصاحب لعمليات إنتاج النفط الخام، أما الباقي وهو 30  بالمئة  فهو يمثل الاحتياطي من الغاز الحر الذي يمكن إنتاجه من حقول غازية .

بلغ أعلى معدل لإنتاج الغاز في عام 1979 ما يعادل 20 مليار متر مكعب أو ما يعادل 1950 مليون قدم مكعب في اليوم إلا أن ما استهلك منه كان أقل من 20 بالمئة لعدم توافر منشآت التصنيع وكان معدل الإنتاج في عام 1989 ما يعادل 16 مليار متر مكعب وقد استهلك ما يزيد عن 90 بالمئة من ذلك بعد توافر منشآت التصنيع.

أما الحقول الغازية المكتشفة حالياً فهي حقول جمجمال وخورمور وخشم الأحمر وجرة بيكا والمنصورية، وجميعها تقع في الشمال الشرقي من العراق، وهناك حقل غاز آخر تم اكتشافه أواخر الثمانينيات في غرب العراق بالقرب من الحدود السورية ـ العراقية وهو حقل عكاز. ولم يتم إلى حد الآن استثمار أي من الحقول الغازية رغم وجود خطط محددة لذلك سنتحدث عنها لاحقاً.

بقيت صناعة الغاز متخلفة خلال فترة عمل شركات النفط ذات الامتياز واقتصر الحال في أواخر الستينيات على استثمار جزء من الغاز الصاحب في كركوك من خلال معمل استخلاص الكبريت ثم نقل الغاز بأنبوب إلى منطقة التاجي شمال العراق لإنتاج البروبان والبيوتان بهدف توفير الغاز السائل للاستهلاك المحلي، وكذلك لإيصال الغاز كوقود إلى عشرة منشآت صناعية في وسط العراق.

وخلال السبعينيات تم إنشاء وحدتين للغاز السائل بطاقة 200 ألف طن سنوياً لكل منها في البصرة لاستغلال جزء من الغاز المصاحب المنتج من الحقول الجنوبية مع شبكة من الأنابيب لنقل المرحلة الأولى من الغاز إلى عددٍ من المنشآت الصناعية.

وفي عام 1979 بوشر بإنشاء مشروعين ضخمين لتصنيع الغاز السائل أحدهما غاز الشمال في منطقة كركوك لاستهلاك 550 مليون قدم مكعب يومياً من الغاز، وغاز الجنوب في البصرة لاستهلاك 1500 مليون قدم مكعب يومياً من الغاز مع شبكة أنابيب تمتد من شمال العراق إلى جنوبه وبعدة تفرعات لتجهيز الغاز إلى مصانع البتروكيماويات والأسمدة والكهرباء والاسمنت وغيرها، إضافة إلى أنابيب لنقل الغاز السائل تمتد من الموصل وكركوك شمالاً إلى البصرة جنوباً.

إن منشآت تصنيع الغاز الحالية وفي حالة عملها بطاقتها التصميمية "عند إعادة إصلاحها بسبب أضرار حرب الخليج الثانية والأكبر من ذلك ما تعرضت له من أعمال سلب ونهب وحرق بعد حرب 2003" فهي تكفي لاستيعاب الغاز المصاحب لإنتاج 3.5 مليون برميل يومياً وتشير دراسات وزارة النفط إلى أن الحاجة الفعلية لمنشآت التصنيع وفي حالة زيادة الإنتاج ستكون كما يلي :

إنتاج النفط مليون برميل / يومياً

الغاز المصاحب مليون قدم مكعب / يوم

الغاز الجاف المنتج مليون قدم مكعب / يوم

طاقة التصنيع الجديدة المطلوبة مليون قدم مكعب / يوم

4.2

2650

1990

500

5.0

3300

2500

1000

5.5

3650

2750

1500

6.0

4200

3200

2000

وحسب الدراسات المذكورة فإنه لدى الوصول إلى إنتاج 6 مليون برميل يومياً فإنه سيتوافر غاز جاف بمقدار 10 مليار متر مكعب سنوياً ( 1000 مليون قدم مكعب يومياً ) والذي يمكن تصديره.

وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أن الغالبية العظمى من منشآت كبس وتصنيع وخزن وتصدير الغاز والتي تعرضت إلى أضرار جسيمة بعد الحرب الأخيرة وكذلك خطوط الأنابيب في العراق، لم يتم إصلاحها إلى حد الآن ولم تدرج غالبيتها في قائمة الأعمال والمشاريع التي كان من المفترض بالشركات الأمريكية مثل (KBR) إنجازها وهو أمر سيعني استمرار حرق الغاز واستهلاك بدائل عنه من مشتقات نفطية بكلف عالية في الذي يقوم العراق حالياً باستيراد كميات كبيرة تصل كلفها إلى حوالى 3 مليار دولار سنوياً.

ووفق السياقات المعتمدة حالياً في إعلان المناقصات وتنفيذها وبظل ظروف انعدام الأمن والسلامة والتي تمنع الشركات الأجنبية حتى من إرسال مختصيها لغرض معاينة تلك المنشآت، فإنه من المتوقع أن لا تعود تلك المنشآت للعمل بطاقاتها التصميمية قبل أقل من ثلاث سنوات على الأقل.

ورغم تطرق جميع الخطط التي وضعتها وزارة النفط خلال السنوات الماضية لاستغلال الغاز، إلا أنه – ولأسباب عديدة – فقد تأخر السير بتلك المشاريع بالرغم من أن السياسة العامة كانت هي بضرورة السير بتطوير إنتاج النفط والغاز سوية لدى تطوير أي حقل نفطي.

هذا وقد كلفت الوزارة مؤخراً شركة شل وإحدى الشركات اليابانية بإعداد دراسات متفرقة لوضع خطط جديدة من أجل إعادة تأهيل وتشغيل منشآت الغاز واستثمار ما ينتج منه مستقبلاً كما ويبدو أن الحكومة العراقية الانتقالية وسلطات الاحتلال تقوم حالياً بإنشاء عدد من محطات توليد الكهرباء بهدف استخدام الغاز كوقود، إلا أن المشكلة كامنة في عدم صلاحية أنابيب نقل الغاز.

أما قرار العراق بالدخول ضمن اتفاقية الغاز المبرمة بين مصر والأردن وسوريا ولبنان، بهدف التعاون في مجال استيراد وتصدير الغاز لهو أمر جيد ويجب السعي من أجل بناء الشبكات اللازمة لذلك.

بالإضافة إلى ما تقدم، فإن العراق قد قام ومنذ منتصف الستينيات بإعداد دراسات تستهدف تصدير الغاز إلى تركيا وقد تم إعادة دراسة ذلك بين البلدين الجارين أخرها في منتصف التسعينيات وعلى أساس استغلال الحقول الغازية في العراق، إضافة إلى الغاز الفائض وإنشاء منشآت التصنيع ونقل الغاز إلى تركيا والتي كانت قد أبرمت اتفاقيات مع العديد من الدول مثل روسيا وتركمانستان وإيران وأذربيجان والجزائر لاستيراد الغاز. وتم عقد عدة مذكرات تفاهم بين الدولتين للمضي بهذا المشروع، وتم تسمية 3 شركات تركية هي:  بوتاس (BOTAS)   وتيكفين     (TEKFEN)وتباو (TPAO) للعمل كطرف تركي إضافة إلى أجيب (AGIP) الإيطالية كجهة لتطوير الحقول، إلا أن ذلك توقف بعد أن اتضح أن التزام تركيا بعقودها الحالية يفوق كثيراً ما تحتاج إليه وربما لعشر سنوات قادمة، ما أدى إلى توقف المباحثات بالرغم من أنها كانت تجري خلال فترة الحصار. ويتطلب الأمر إعادة النظر بالدراسات الفنية والاقتصادية من أجل إيجاد منافذ بديلة سواء إلى أوروبا عبر تركيا أو لتغذية شبكة الغاز العربية وتجهيز دول أخرى باحتياجاتها.

خامساً: دور القطاع الخاص في الصناعة التحويلية

ضمن هذه الصناعة هناك العديد من الأنشطة التي يمكن أن يديرها القطاع الخاص وبالتالي التخفيف عن كاهل مؤسسات الدولة ومن ذلك توزيع المشتقات النفطية:

قد لا يتذكر البعض أن العراق ربما كان سباقاً في الشرق الأوسط بالاعتماد على القطاع الخاص في إدارة محطات التعبئة والتجهيز المباشر للمواطن لمختلف أنواع المشتقات النفطية. حيث تم في عام 1987وخلال فترة لا تتعدى ستة أشهر لتحويل إدارة محطات التعبئة من إدارة مركزية ثابتة لأجهزة وزارة النفط إلى القطاع الخاص بشكل كامل وشمل ذلك:

-   تأجير جميع محطات التعبئة وفي مختلف أرجاء العراق للقطاع الخاص وبموجب مناقصات تعلن سنوياً، وكان الهدف أن يتم لاحقاً جعلها على مديات أبعد.

-   إيقاف تولي أجهزة وزارة النفط بناء أية محطات جديدة وتشجيع القطاع الخاص على تولي ذلك وخلال دعمه في مجال التقييم وتوفير المعدات والأجهزة الضرورية بأسعار الكلف، وقد تم بالفعل خلال سنوات قليلة بناء العشرات من المحطات المتطورة وخاصة على الطرق الموصلة بين المدن الرئيسية وتضمنت خدمات إضافية للمواطن لم تكن توفرها محطات التعبئة التابعة للدولة ولم يتم خلال فترة 1987 – 1990 بناء أية محطة من قبل وزارة النفط باستثناء محطة واحدة في مدينة الفاو وبأمر رئاسي. وكذلك بناء محطات على طريق المرور السريع الموصل بين الحدود السورية والأردنية وبغداد من جهة، ثم الحدود الكويتية وبغداد من جهة أخرى، وثم تسليمها بعد إنشائها إلى اللقطاع الخاص لإدارتها.

-   السعي إلى تشجيع القطاع الخاص على تأسيس شركات لتولي إدارة مجاميع من هذه المحطات بدلاً من إحالة كل محطة على حدة.

-       بيع وسائط النقل المتخصصة إلى مستأجري المحطات بأسعار مناسبة لاستخدامها في نقل المشتقات النفطية.

-   تشجيع تولي القطاع الخاص إدارة شؤون نقل المشتقات النفطية وقد تم بالفعل تأسيس شركة لهذا النشاط قامت خلال التسعينيات بجزء كبير من هذا النشاط بما في ذلك عبر الحدود.

-   بيع محطات صغيرة لتعبئة الغاز وتوزيعه وكان ضمن المخطط أن يتم تحويل كامل هذا النشاط إلى القطاع الخاص وتشجيع تطوير النقل بأساليب متقدمة لضمان السلامة وتوفير الكلف.

وكان من المخطط أيضاً العمل على:

-       إناطة مسؤولية تعبئة الغاز ونقله وتوزيع بالاسطوانات وإدارة معامل التعبئة إلى القطاع الخاص، وتم بالفعل بيع عدد من وحدات التعبئة الصغيرة في بعض المدن العراقية.

وبهذا فإن عموم النشاط المتعلق بالتعامل مع المواطن لتوفير احتياجاته من المشتقات النفطية يمكن أن تتم من قبل القطاع الخاص بشرط ضمان وجود أجهزة رقابة وتفتيش ونظام للمحاسبة والعقوبات الرادعة، لضمان عدم التلاعب بالأسعار أو بنوعية ومواصفات تلك المشتقات.

ويجب أن نتوقف هنا للحديث عن عامل جوهري ومؤثر ألا وهو موضوع تسعيرة المشتقات النفطية حيث من المعروف إن تلك التسعيرة ولجميع المشتقات النفطية - بما فيها ما يجهز إلى محطات توليد الطاقة الكهربائية ومصانع الأسمدة والإسمنت وغيرها – هي الأقل وبفارق كبير عن أية دولة في المنطقة إن لم يكن ذلك على المستوى العالمي، وكان هذا هو أحد الأسباب الرئيسية التي شجعت منذ عام 2003 وإلى حد الآن على عمليات تهريب المشتقات النفطية إلى خارج العراق وبالتالي إحداث خلل كبير في موازنة إنتاج وتوزيع المشتقات النفطية للاستهلاك المحلي.

كان موضوع إعادة النظر بالتسعيرة أمراً حساساً على مدى العهود والأنظمة السابقة، ولكننا نتذكر ما جرى في عهد الزعيم عبد الكريم قاسم عندما تم إصدار قرار برفع أسعار البنزين آنذاك بنسبة بسيطة. إن المواطن العراقي يرى في حصوله على المشتقات النفطية حقاً موروثاً له باعتبار العراق بلد نفطي وربما كان محقاً بعض الشيء بذلك من ضمن إجراءات الدعم الاقتصادي التي كانت الدولة توفرها له ضمن البرنامج الاقتصادي الشامل والذي كان يفترض دفع رواتب وأجور متدنية، فكانت سياسات الدعم المتمثلة بدعم أسعار المشتقات النفطية وأجور الكهرباء والماء والهاتف والأدوية وغيرها من الخدمات جزءاً من كافة البرامج الاقتصادية السابقة، وإن الخروج عن ذلك لا بد وأن يكون بشكل مدروس ومتدرج وبما لا يلحق الضرر بالمواطن ومدخولاته وقدراته الشرائية.

ويبدو أن سياسة التخفيف إن لم يكن الرفع الكامل للدعم قادمة لا محالة فيها وخاصة بعد الاتفاق أواخر عام 2004 مع نادي باريس حول مديونية العراق وربط ذلك أيضاً مع برنامج للتصحيح الاقتصادي سيتم الاتفاق عليه مع الـ آي إم إف (IMF) والبنك الدولي وستعتمد آثار ذلك على أساليب التطبيق ولكن يجب ألا يكون بمعزل عن نظرة شاملة للاقتصاد العراقي والنظام المالي والنقدي ورفاهية المواطن المنشودة.

كما ونذكر أيضاً ظاهرة التوسع الكبير الذي حدث منذ عام 2003 في عمليات تهريب المشتقات النفطية نظراً إلى ما يحققه المتعاملون به من أرباح خيالية، مما أدى إلى تفشي الفساد الإداري والذمم، ليشمل الكثير من العاملين في محطات التعبئة ومستودعات الخزن بل وحتى أنابيب النقل وأصبحت السيطرة على ذلك أمراً بعيد المنال يضاف إلى ضعف السيطرة على الحدود العراقية مع الدول المجاورة وعدم تعاون تلك الدول أيضاً في الضبط والحد من هذا النشاط لما يحققه من منافع لها سواء كانت لاقتصادياتها أو لبعض الأجهزة والأفراد النشيطة في مجال التهريب.

إن وضع برنامج متدرج ومعقول لإعادة النظر بالتسعيرة أصبح أمراً ضرورياً كما يجب أن يطبق ذلك على الأنشطة الاقتصادية الأخرى التي تستخدم الوقود بشكل مكثف (وبالتالي إعادة النظر بتسعيرة منتجاتها أيضاً)، إلا أن من المحذور أن يتم ذلك من خلال قفزة هائلة ستسبب خللاً كبيراً لا محال في تنظيم مدخولات المواطن وقدراته الشهرية.

إن ما تطرقنا إليه في أعلاه مرتبط أساساً بموضوع الخصخصة ودور القطاع الخاص الأجنبي في هذه الأنشطة. فإعطاء دور أكبر للقطاع الخاص يتطلب تقوية فاعلية أجهزة الرقابة والتفتيش، وخاصة بعد الفساد والفوضى التي عمت خلال السنتين الأخيرتين والتي أدت إلى ازدهار غير مسبوق في تاريخ العراق للسوق السوداء وأصبح المواطن عاجزاً عن الحصول على احتياجاته بالأسعار الرسمية إلا بعد معاناة طويلة لا تخلو من خطر التعرض للتفجيرات والهجمات، فكان البديل هو التوجه إلى اللسوق السوداء حيث وصل سعر البنزين في بعض الحالات إلى أكثر من خمسين ضعف عن سعره الرسمي ( 500 – 1000 دينار للتر الواحد بالمقارنة مع 20 ديناراً ) ولاسطوانة الغاز السائل ( 7 – 12 ألف دينار بالمقارنة مع 250 ديناراً ) وقس على ذلك.

وتطورت أساليب الغش والتزوير بشكل كبير ناهيك عن التلاعب بالنوعية والعدادات المعتمدة للتجهيز للمواطن أو في المستودعات الرئيسية.

نعود مرة أخرى للأنشطة التي يمكن أن تناط مهامها بشكل مدروس للقطاع الخاص ونضيف إلى ما تقدم ـ مع الأخذ بنظر الاعتبار ما ذكرناه حول الأسعار والرقابة – ما يلي:

1   ـ أنشطة المقاولات سواء المدنية أو الميكانيكية والكهربائية، وتشجيع قيام شركات ومكاتب متخصصة محلية وفق أسس سليمة تعتمد تطبيق أنظمة هندسية
               وإداري
ة ويمكن لذلك أن  يتم من خلال تعاونها مع شركات متخصصة أجنبية تساعد في تطوير قدراتها وتزويدها بالأسس والنظم الحديثة في مجال الإدارة
               وعمليات الشراء والتنفيذ والفحص والتشغيل، وغيرها من الخدمات المساندة في مجال الاستكشاف والحفر.

2 ,.عمليات الفحص الهندسي للمراجل وعمليات الإنشاء للأنابيب والخزانات.

3 . أن  يتم السعي إلى تشجيع الجهات المحلية على تدريب كوادر عراقية وحصولها على إجازات تخصص من أجهزة عالمية معترف بها مثل لويدز وبيروفيريتاس
               وغيرها.

4   ـ السعي إلى استخدام القطاع الخاص في مجال تقديم الخدمات والأنشطة المساعدة في المواقع الرئيسية حيث تتواجد كثافة في أعداد العاملين كتقديم خدمات
              النقل والإطعام وإدارة المجمعات السكنية والمراكز الترفيهية وتقديم الخدمات الصحية وإدارة الأنشطة والنوادي الرياضية والاجتماعية وخدمات النقل وغيرها،
              وابتعاد الأجهزة المركزية عن التعامل بمثل هذه المفردات.

تطرقنا إلى إمكانية توسيع دور القطاع الخاص في هذا المجال في فصل سابق والتجارب السابقة التي اعتمدت منذ عام 1987 والاستفادة منها في وضع برنامج جديد يتضمن:

-    إدارة جميع محطات التعبئة إلى القطاع الخاص.

-    تشجيع القطاع الخاص على إنشاء شركات متخصصة في مجال توزيع المشتقات النفطية وغدارة محطات التعبئة وبناء محطات جديدة وفق تصاميم حديثة
              معتمدة من قبل الوزارة.

-   لتسهيل إدارة القطاع الخاص تتولى الوزارة مرحلياً ولفترة زمنية محددة توفير احتياجات محطات التعبئة من مضخات وخزانات ومكملاتها وبأسعار الكلفة، على
               أن يفسح المجال لاحقاً لاستيرادها أو تصنيعها وفق مواصفات عامة توضع لهذا الغرض من قبل الوزارة.

-    لحين استكمال تولي القطاع الخاص دوره الكامل في إدارة النشاطات أعلاه تتولى "شركة توزيع المنتجات النفطية" المسؤولية على أن تتحول تدريجياً إلى
               جهاز للتفتيش والرقابة والسيطرة على النوعية في ما يتعلق بمحطات التعبئة ومعامل تعبئة الغاز.

كما وتستمر الشركة بإدارة مستودعات المشتقات النفطية وتجهيز محطات التعبئة مع إدارة أنابيب النقل في ما بين المستودعات ومصافي النفط وتجهيز محطات توليد الكهرباء وبقية المرافق الصناعية في احتياجاتها من كافة أنواع الوقود، بما في ذلك الغاز وتكون هذه الشركة مسؤولة عن كافة عمليات النقل والخزن في المستودعات في حين تنحصر مسؤولية ( شركة مصافي النفط ) بتشغيل المصافي وضمن أسيجتها فقط مع إناطة الإدارة مسؤولية إدارة وصيانة أنابيب نقل النفط الخام سواء إلى المصافي أو محطات توليد الكهرباء ( كوقود احتياطي ) من قبل شركة توزيع المنتجات النفطية.

-   أما في ما يتعلق بتصنيع الدهون وتسويقها فتتم توزيع تلك المسؤولية على شركة مصافي النفط في ما يتعلق بالتصنيع والتعبئة بحكم تواجد تلك الوحدات داخل أسيجة المصافي، وتتولى شركة توزيع المنتجات النفطية توزيعها داخلياً من مخازن رئيسية إلى القطاع الخاص للتوزيع على المستهلكين من قبل القطاع الخاص.

أما في ما يتعلق بفعاليات التصدير فتتولى مؤسسة تسويق النفط تلك المسؤولية بما في ذلك إبرام الاتفاقيات مع جهات أجنبية متخصصة حول صيغ تسويقها للخارج بشكل خام أو مصنع.


(*) تمت قراءة هذه الورقة وإبداء الرأي حولها، وعلى انفراد، من قبل كل من السادة (حسب الحروف الأبجدية): أديب الجادر، رمزي سلمان، سعد الله الفتحي، سعدون حمادي، ووليد خدوري، ولكن الآراء الواردة فيها تبقى مسؤولية الكاتب نفسه فقط.

(**)إن الآراء الواردة في هذه الدراسة تمثل وجهة نظر المؤلفين، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز دراسات الوحدة العربية.

(***)من يرغب من المطلعين على هذا الموقع أن يحصل على نسخة من هذه الوثيقة مباشرة من الموقع و بدون مقابل مادي.

(****)تمت إعادة النظر في هذه الورقة على ضوء الملاحظات التي أبداها المشاركون في ندوة العراق

(*)   كان النفط محوراً للصراع البريطاني - الفرنسي. تم الاتفاق بعد ذلك بين البلدين في اتفاقية سميت (Berenger – Long) نسبة إلى (Berenger) الذي كان رئيس إدارة النفط الفرنسية، و (Long) الوزير البريطاني لشؤون المستعمرات، وعملا على تبادل الموصل بسوريا بين الدولتين.

 
     

المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها - أتفاقية الأستخدام
كل الحقوق محفوظة ®2013 لموقع النفط والغاز الطبيعي العربي