موقع النفط والغاز الطبيعي العربي

 

 

 
  الصفحة الرئيسية > قسم الدراسات

قراءة فـي: صناعـة النفـط فـي العــراق والسياسـة النفطيـة - الجزء الأول

الدكتور عصام الجلبي(
وزير النفط العراقي الأسبق

 

المقدمـــة

منذ اكتشاف النفط في العراق في أوائل القرن الماضي من قبل مجموعة من الخبراء الألمان ثم الإنكليز، أصبح النفط عاملاً أساسياً في تحديد سياسات وتوجهات القوى العظمى في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام والعراق بشكل خاص. وكان النفط العامل الرئيسي في إعداد خارطة الخط الحمر بين شركات النفط الاحتكارية والدول العظمى، لا بل إن بريطانيا وفرنسا أعادتا بعد انتصارهما في الحرب العالمية الأولى وبالتحديد في نهاية تشرين الأول/أكتوبر 1918 نقل ولاية الموصل من سيطرة النفوذ الفرنسي إلى البريطاني بدلاً من سوريا بشرط منح الفرنسيين حصة في نفط الموصل، وهكذا تم إعداد اتفاقات بيرينغر ـ لونغ   (Berenger –Long)(*) سايكس بيكو وسان ريمو.

 ورغم تفجر النفط بكميات كبيرة في تشرين الأول/أكتوبر 1927 من بئر بابا كركر في منطقة كركوك، إلا أن عمليات الإنتاج للنفط العراقي تأخرت لعدة سنوات إلى حين الاتفاق ثم الانتهاء من مد أول خطوط النفط غرباً باتجاه سوريا ولبنان واللتان كانتا خاضعتين للانتداب الفرنسي. أصبح النفط العراقي حكراً لشركة نفط العراق بموجب اتفاقية الامتياز الممنوحة لها تحت الضغط البريطاني وتقاسمت حصص تلك الشركة شركات غربية لكل منها 23.75 بالمئة  مع نسبة 5 بالمئة إلى كولبنكيان. تأسست لاحقاً شركة نفط الموصل  عام 1927 لتغطية مناطق شمال غرب العراق، وفي عام 1938 شركة نفط البصرة لتغطية النشاطات في جنوب العراق.

وكما في الحرب العالمية الأولى فإن الصراع استمر على منابع النفط في العالم بين القوى المتحاربة وكانت منطقة الشرق الأوسط وخاصة بعد اكتشاف النفط في العربية السعودية وبعض مناطق الخليج، هدفاً استراتيجياً للقوى المتحاربة وكان لفشل ألمانيا واليابان في السيطرة على تلك المنابع، السبب الرئيسي في هزيمتها العسكرية.

لقد تم تقسيم الوطن العربي إلى دويلات عديدة بعد الحرب العالمية الأولى وبعد أن ثبت تواجد النفط في الغالبية العظمى منها، تم تثبيت ذلك في السنوات اللاحقة من خلال الانتداب الفرنسي والبريطاني، تبعه دخول أمريكا على الخط من خلال السيطرة على نفط العربية السعودية، وهكذا سيطرت شركات النفط الاحتكارية على النفط العربي بدون أي مشاركة للحكومات أو الشركات الوطنية.

وما يجري بعد قرن من ذلك التاريخ وفي القرن الحادي والعشرين من غزو عسكري وبسط لنفوذ سياسي واقتصادي أمريكي في منطقة الشرق الأوسط ليس هدفه إلا إعادة الاستحواذ بشكل وبصيغ ومسميات جديدة على المنطقة بخاصة بعد أن ثبت للعالم أنه وبالرغم من اكتشاف النفط في العديد من أرجاء العالم فإن النفط في مناطق الشرق الأوسط ما زال في المرتبة الأولى من حيث توزيع الاحتياطات النفطية العالمية، بحيث تصل حصة الدول المطلة على الخليج العربي وحدها ما يقرب من ثلثي الاحتياطات العالمية حالياً.

في عام 1958 حل النظام الجمهوري بدلاً من الملكية في العراق وفي عام 1961 صدر القانون رقم 80 الذي تم بموجبه سحب 99.5 بالمئة من الأراضي العراقية التي كانت خاضعة لاتفاقيات الامتياز نظراً إلى عدم قيام شركات النفط الاحتكارية باستغلالها، وأبقت لها الحقول قيد الإنتاج مثل جنوب الرميلة والزبير وكركوك وعين زالة، وشمل القانون رقم 80 سحب الطبقات غير المنتجة ضمن تلك الحقول أيضاً ومهد الطريق لتأسيس شركة النفط الوطنية العراقية والتي صدر قانون تأسيسها في 8 شباط/فبراير 1964 وبوشر بإعداد تشكيلاتها وباشرت بعمليات التطوير فعلياً بعد عام 1968 وذلك في حقل شمال الرميلة والذي بوشر بإنتاجه في 7 نيسان/أبريل 1972 وذلك بأسلوب التنفيذ المباشر والذي تم اعتماده في معظم فعاليات الشركة. وبعد تأميم عمليات شركة نفط العراق في 1/6/1972 والتوصل إلى اتفاقية التسوية مع شركات النفط في 1/3/1973، توسعت عمليات شركة النفط الوطنية العراقية وخاصة بعد الطفرة السعرية الأولى وزيادة إيرادات العراق النفطية والتي رافقها استكمال عمليات تأميم شركة نفط البصرة في عام 1975.

شهدت الصناعة النفطية في السبعينيات نمواً ملحوظاً في مجال تطوير الحقول وزيادة الطاقات الإنتاجية وخطوط الأنابيب، سواء للتصدير أو للنقل الداخلي للمشتقات النفطية والغاز السائل والغاز وموانىء تصدير النفط الخام في تركيا والخليج العربي، وتطوير طاقات التصفية وخزن المشتقات وصناعة الغاز.

كما وضعت شركة النفط الوطنية في عام 1979 خططاً طموحة لزيادة الطاقة الإنتاجية إلى 5.5 مليون برميل يومياً بعد أن تم اكتشاف العديد من الحقول العملاقة مثل مجنون ونهر عمر والحلفايا وغرب القرنة وغيرها، وكذلك وضعت الوزارة خطة لمضاعفة طاقات التصفية وتصنيع الغاز لاستثمار كامل الغاز المصاحب وتجهيزه للمعامل والمصانع ومحطات توليد الكهرباء.

توقف ذلك في أيلول/سبتمبر 1980 بسبب نشوب الحرب العراقية ـ الإيرانية والتي استمرت لغاية 8 آب/أغسطس 1988، وبالرغم من أن الجهود انصبت على إصلاح أضرار الحرب البالغة، إلا أن الوزارة وشركة النفط الوطنية تمكنتا من إنجاز العديد من المشاريع الكبيرة مثل أنبوب التصدير عبر السعودية ومصافي بيجي، ومضاعفة طاقة أنبوب النفط إلى تركيا ومشروعي غاز الجنوب وغاز الشمال وغيرها.

عند غزو العراق للكويت كانت طاقة العراق الإنتاجية 3,8 مليون برميل يومياً وعلى أساس أن تتوسع إلى 4,2 مليون برميل يومياً عام 1991 وكانت طاقات التصفية أكثر من 600 ألف برميل يومياً.

وتعرضت منشآت النفط في حرب الخليج الثانية في كانون الثاني/يناير 1991 لدمار شامل بلغ في بعض المنشآت حوالى 100 بالمئة، وأثبتت الكوادر العراقية مهارات وقدرات فائقة في عمليات إعادة إعمار منشآت النفط والكهرباء وخلال فترة أسابيع من توقف الحرب، على الرغم  من الحصار الذي فرضته الأمم المتحدة على العراق منذ آب/ أغسطس1990 واستمر بعدئذ لمدة 13 سنة، وإلى حين الحرب على العراق في آذار/مارس 2003.

وهكذا دخلت الصناعة النفطية مرحلة جديدة من المعانات بعد سلسلة من عمليات التدمير والقصف والحصار وشحة المواد المالية وصعوبة الحصول على المواد الاحتياطية وغيرها.

وبعد الحرب الأخيرة على العراق واحتلاله من قبل القوات الأمريكية والبريطانية، تعرضت منشآت النفط الاستخراجية التمويلية لعمليات منظمة في أعمال النهب والسلب والحرق، سببت أضراراً ربما فاقت في حجمها ومدياتها ما تعرضت له خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية وحرب الخليج الثانية، وما زالت العديد من منشآت النفط وخطوط الأنابيب غير عاملة، كما وأن عمليات التهريب وخاصة للمشتقات النفطية ما زالت مستمرة وباعتراف صريح من الحكومة الانتقالية العراقية.

وهكذا نجد في هذه الأيام أن العراق يصدر حوالى 1,4 مليون برميل يومياً من النفط بالمقارنة مع حوالى 2,5 مليون برميل يومياَ قبل حرب عام 2003 وبعد أن كان للعراق الاكتفاء الذاتي من المشتقات النفطية، نجده اليوم مستورداً للمشتقات النفطية بكلفة حوالى 3 مليارات دولار سنوياً تكفي لإنشاء مصفى كبير في كل سنة0

واقع أليم تشهده الصناعة النفطية لا يفوقه إلا الواقع الاجتماعي والاقتصادي والمعاشي، وتدني كافة الخدمات الإنسانية من ماء وكهرباء ومشتقات نفطية ودواء ومستشفيات وغيرها.

 أولاً:  ثروات العراق النفطية

بالرغم من وجود آراء متباينة حول حجم الاحتياطيات النفطية المثبتة والمحتملة في العراق، إلا أنها تتفق في ما بينها على أن هناك خزيناً هائلاً ربما لا مثيل له في منطقة أخرى من العالم حيث يبلغ حجم الاحتياطيات المثبتة (Proven) وفق الأرقام الرسمية الأخيرة لوزارة النفط العراقية والمعتمدة من قبل معظم المراجع النفطية المختصة عالمياً ما مقداره 112 مليار برميل، أما حجم الاحتياطيات المحتملة فهناك تباين في تخمينها، إلا أن الرقم يزيد في كل الأحوال عن 200 مليار برميل يمكن تحويل جزء أساسي منه لا يقل عن 50 بالمئة إلى احتياطيات مثبتة باعتماد التكنولوجيا الحديثة في عمليات المسح الزلزالي والحفر الاستكشافي والتقييمي ثم الحفر التطويري، ويضاف إلى ذلك عامل مهم يتعلق بكلفة عمليات الاستكشاف والحفر وبالتالي كلف العثور على النفط وتطويره والذي يعتبر من أوطأ الكلف ليس على مستوى العالم فحسب، بل وحتى بالمقارنة مع المخزون النفطي في منطقة الشرق الأوسط وتتراوح تلك الكلف بين 1.5 – 2 دولار للبرميل الواحد.

من خلال عمليات شركات النفط صاحبة الامتياز في العراق فقد تم خلال الفترة 1927 – 1961 تحديد حجم الاحتياطي الثابت بمقدار 34 مليار برميل وذلك نتيجة لعمليات الاستكشاف والمسح الجيولوجي والجذبي والمغناطيسي وذلك من خلال اكتشاف 62 تركيباً ثبت منها 35 حقلاً وبنسبة نجاح قدرها 56 بالمئة وهي نسبة عالية عالمياً.

في عام 1961 أصدرت الحكومة العراقية القانون رقم 80 والمتضمن إعادة السيطرة الوطنية على تلك الأراضي التي لم تكن خاضعة فعلاً لعمليات التطوير من قبل الشركات صاحبة الامتياز والتي بلغت بحدود 98 بالمئة من مساحة الأراضي الخاضعة أصلاً للامتياز.

وفي عام 1966 وبعد تأسيس شركة النفط الوطنية العراقية في 8 شباط / فبراير1964 قامت الشركة بإعادة تقييم نتائج المسوحات والدراسات التي كانت بحوزة الشركات صاحبة الامتياز، وشمل ذلك حوالى 215 ألف كيلو متر مربع في المناطق الجنوبية (عدا المناطق المنتجة في الرميلة والزبير) حيث تم بموجبها تحديد حوالى 300 تركيباً جيولوجياً من خلال عمليات المسح الجذبي وبعضها بالمسح الزلزالي.من ذلك تم تحديد 135 تركيباً محتملاً لتواجد النفط و/أو الغاز وقدر في حينه حجم المخزون النفطي بمقدار 350 مليار برميل وقدر حجم النفط القابل للاستخراج بـ 111 مليار برميل .

وفي عام 1967 تم إصدار القانون رقم 97 الذي يمنع استغلال أراضي العراق عن طريق الامتيازات لشركات النفط.

وبعد عام 1968 توسعت عمليات الاستكشاف وتقييم المكان من قبل أجهزة شركة النفط الوطنية وبالاستعانة مع شركات عالمية وخاصة من الاتحاد السوفياتي وفرنسا، حيث تم إضافة 72 مليار برميل إضافة إلى الرقم المعتمد سابقاً 34 مليار برميل وذلك من خلال اكتشاف 52 تركيباً ثبت منها 38 حقلاً أي بنسبة نجاح 73 بالمئة. ورغم ذلك وبسبب الظروف الاستثنائية التي مر بها العراق منذ عام 1980 فإن عمليات الاستكشاف والتطوير بقيت ضمن المستويات المطلوبة مما أخر في عمليات تحديد احتياطيات جديدة. باختصار ندرج بعض التفاصيل لإعطاء صورة مكملة لمخزون النفط في العراق:

عدد التراكيب المكتشفة                                              525

عدد التراكيب التي تم الحفر فيها                                     115

عدد التراكيب التي تنتظر الحفر                     أكثر من 400 تركيب

عدد الحقول المكتشفة                                               80

عدد الحقول التي تحتوي على الجزء الأعظم من الاحتياطيات         43

عدد الحقول المكتشفة ولم يتم تقييمها                                37  

عدد الحقول المنتجة                                                 15

 ومما يجب الإشارة إليه إلى أن التكنولوجيا وأسس التقييم وأساليب الحفر المعتمدة في تخمين حجم المخزون النفطي واحتياطيات العراق وحقوله تعتمد فقط على الأسس القديمة التي كانت متاحة أمام شركة النفط الوطنية العراقية وقد تعذر الحصول على التكنولوجيا الحديثة منذ أوائل الثمانينيات ولحد الآن لأسباب تعود إلى الحروب والحصار والظروف المالية الصعبة التي مر بها العراق منذ تلك الفترة ثم انحسار القدرات الفنية العراقية بسبب الهجرة وضعف التدريب وغير ذلك. ونذكر من ذلك:

-   اعتمدت العمليات على دور النشاط الوطني حصراً مع الاستعانة بعدد من الشركات على أساس المقاولة في جزء من عمليات المسح الزلزالي والحفر.

-   بقيت عمليات الحفر محصورة بأعمال الحفر العمودي مع عدد محدود من الآبار المائلة ولم يحفر أي بئر أفقي إلى حد الآن.

-   بقيت عمليات الحفر التقييمي والتطويري محصورة بأعماق محددة حيث إن 30 – 40 بالمئة منها لا تتعدى حوالى 2000 قدم أو 700 متر في الحقول الشمالية، وعشرة آلاف قدم أو 3200 متر في الحقول الجنوبية، ولم يتم حفر أكثر من عدد محدود جداً بأعماق وصلت إلى حوالى 5000 متر في حين وكما يتضح من الجداول المرفقة أن العديد من الحقول فيها طبقات منتجة يصل بعضها إلى سبع لم يتم تطوير أكثر من 2 أو 3 طبقات.

-   إن عمليات الحفر لم تشمل أكثر من بئر واحدة لكل من 2900 كيلو متر مربع مما يدل على أن الاحتمالات النفطية في التراكيب التي لم تشهد عمليات حفر كبيرة جداً.

-   بقيت عمليات الاستخلاص الثانوي معتمدة على الإنتاج أولاً باعتماد الضغط الذاتي للحقول ثم بواسطة حقن الماء وخاصة في كركوك والرميلة، ولم يتم استخدام الوسائل الأخرى المتطورة عالمياً باستثناء حقن الغاز وبشكل محدود في حقل شرق بغداد.

-   لم يتم تطوير أي من الحقول المكتشفة في شمال غرب العراق عدا ما قامت به شركة نفط الموصل في عين زاله وصفية وبطمه.

-       لم يتم – باستثناء جهد محددة في أواسط الثمانينيات – إجراء عمليات استكشافية للصحراء الغربية .

-       لم يتم إجراء أية مسوحات زلزالية بواسطة الفرق ذات الأبعاد الثلاثة.

 ورغم أنه قد مضى أكثر من 78 عاماً على اكتشاف النفط وتفجير النفط في بئر بابا كركر عام 1927، فإن الحقول المطورة والمنتجة لا تزيد عن 15 حقلاً من أصل 73 حقلاً مكتشفاً على الرغم من أن البعض منها تمتلك مخزوناً نفطياً هائلاً وتعتبر من الحقول العملاقة وفق أي مقياس مثل حقول مجنون، نهر بن عمر، الحلفايا، غرب القرنة، الناصرية، الرطاوي، شرق بغداد... الخ. وخلال مراحل التخطيط منذ عام 1978 ولغاية الآن تم وضع عدد من الحقول جاهزة للتطوير بانتظار توافر المناخ السياسي والاقتصادي والمالي اللازم ومنها:

11 حقلاً في جنوب العراق تبلغ طاقتها الإنتاجية ( 3 ) مليون برميل يومياً.

11 حقلاً في شمال العراق تبلغ طاقتها الإنتاجية ( 500 ) ألف برميل يومياً.

3 حقول في وسط العراق تبلغ طاقتها الإنتاجية ( 300 ) ألف برميل يومياً.

 هذا ويقدر المختصون حجم الاحتياطي الثابت الذي يمكن استخراجه من الحقول المكتشفة والبالغة 73 حقلاً أكثر من 140 مليار برميل وفقاً لما هو متوافر من إحصاءات ومعلومات ومعايير عالمية. وقد تطرق الخبير النفطي العراقي طارق شفيق بورقة عمل قدمها في جنيف في تشرين الأول/ أكتوبر 2003 عن أنه فيما لو تم اعتماد أسلوب التوزيع الحجمي (Size Distribution) ونسب النجاح المختلفة لعمليات الاستكشاف، فإن حجم الاحتياطيات المحتملة قد تصل في ما بين 280 – 360 مليار برميل في 143 – 183 تركيباً.

ومما يجدر الإشارة إليه هو أن أرقام الاحتياطي النفطي المعتمد حالياً يعتمد على وسائل الاستخلاص المعتمدة في العراق فقط، ولم تأخذ بنظر الاعتبار التطورات التكنولوجية المتقدمة منذ الثمانينيات وإلى حد الآن، وأن نسباً تتراوح بين 10 – 35 بالمئة لغالبية الحقول العراقية هو أمر ليس بغريب في حين وصلت الأرقام في كثير من الدول النفطية إلى 50 – 70 بالمئة.

أما ما يتعلق بكِلف الاستكشاف والتطوير، فإنه وفقاً إلى إحصائيات شركات النفط ذات الامتياز في العراق فإنها بلغت 26 سنتاً للبرميل كمعدل العمليات في العراق منها 0.1 سنت للبرميل في الجنوب و 0.4 سنت في الشمال شرقي نهر دجلة و 5.6 سنت في الشمال الغربي من العراق .

أما كلف التطوير والتي تشتمل على كلف الآبار ومنشآت الإنتاج، فإنها قدرت بموجب الدراسة نفسها على أنها بحدود دولار واحد للبرميل كمعدل للمناطق الثلاث في العراق.

ووفقاً للدراسات التي أعدها الخبير المعروف توماس ستوفر (Thomas Stauffer)، فإن تقديراته لكلف الاكتشاف والتطوير هي أقل من دولار للبرميل في العراق وإيران والسعودية، إلا أنها أقرب إلى نصف دولار للعراق بالمقارنة مع 1 – 2 دولار للكويت و 2.5 – 3.75 دولار للحقول البرية في أبو ظبي و 6 – 7 دولار للحقول البحرية في أبو ظبي و 3 – 5 دولار في فنزويلا . أما وفق أرقام شركة النفط الوطنية العراقية فإن معدل الكلف في الثمانينيات لم تتجاوز دولاراً واحداً للبرميل.إلا أن هذه الأرقام لا بد وأن تكون حالياً أعلى من السابق0

شهدت عمليات الاستكشاف والحفر تصاعداً ملحوظاً بعد عام 1968 وبشكل خاص بعد الطفرة السعرية الأولى للنفط عام 1973 وتأميم عمليات شركة نفط العراق في الأول من حزيران/ يونيو 1972 ثم لاحقاً عمليات شركة نفط البصرة في عامي 1973 و 1975. أما عمليات شركة نفط الموصل فقد تم التنازل عنها لصالح شركة النفط الوطنية في اتفاقية التسوية التي أبرمت في الأول من آذار/ مارس 1973. وزادت شركة النفط الوطنية وبشكل ملحوظ عدد الفرق الزلزالية الوطنية وكذلك أبراج الحفر والتي كان يشغلها أطقم وطنية كاملة، إضافة إلى تواجد عدد من الشركات المقاولة بهدف الاستعانة بطاقات إضافية وللحصول على ما هو متوافر من تكنولوجيا لديها. وقد بلغت قبل حرب عام 1991 عدد الفرق الزلزالية العاملة 72 فرقة / شهر وبلغ عدد أبراج الحفر أكثر من 20 برجاً وكانت نسبة الأجهزة الزلزالية الوطنية وأعمال الحفر المدارة وطنيا أكثر من 50  بالمئة  .

هذا وشهدت تلك العمليات لاحقاً هبوطاً حاداً بل توقفاً كاملاً في بعض المراحل، حيث وصلت خلال التسعينيات إلى أقل من فرقة واحدة / شهر ولم يكن هناك أكثر من 2 – 3 أبراج حفر عاملة وقد كان لذلك أثره السلبي على السلوك المكمني للحقول المنتجة كما سنتطرق إليه في فصل لاحق.

وهكذا ومنذ عام 1990 توقفت مرة أخرى بشكل فعلي أعمال المسح الزلزالي وعمليات الحفر الاستكشافي والتقييمي والتطويري، لا بل وأيضاً عمليات استصلاح أبار النفط وأبار حقن الماء، وهبطت بشكل حاد أيضاً عدد الدراسات الجيولوجية والمكمنية والهندسية بالنظر إلى النقص في المعلومات وضعف الاتصالات مع الخارج وعدم الحصول على الأجهزة والمعدات بل وحتى الأدوات الاحتياطية، واضطر العديد من الكوادر المتخصصة إلى ترك العراق إلى الخارج لأسباب سياسية أو اقتصادية.

وهكذا بقيت صناعة النفط الاستخراجية متخلفة تكنولوجياً عن كافة أرجاء العالم على أمل أن يتم النهوض بها في مراحل لاحقة.

  ثانياً: صناعـة النفـط الاستخراجيـة

كان النفط دائماً سلعة معرضة لسياسات محلية وإقليمية ودولية، وفي بلد مثل العراق كانت صناعة النفط دائماً محوراً للخلافات السياسية منذ اكتشافه، والتي أثرت بشكل سلبي على مدى العهود الماضية على مراحل تطويره والتي شهدت على مر السنين موجات من الصعود والهبوط.

تراوح الإنتاج العراقي في الخمسينيات بحدود بضعة مئات من آلاف البراميل وابتدأت مرحلة الصعود منذ عام 1958 عندما أصبح الإنتاج الفعلي 723 ألف برميل يومياً ولكن بقي يتراوح في محله وإلى حين تفعيل دور شركة النفط الوطنية العراقية ثم تأميم النفط عام 1972 وهكذا لغاية عام 1973 ( حيث تم التوقيع في الأول من آذار / مارس 1973 على اتفاق شامل مع شركات النفط الأجنبية ) ورافق ذلك ارتفاع أسعار النفط وبالتالي وصل معدل الإنتاج عام 1973 ما مقداره 2.039 مليون برميل يومياً واستمر بتصاعده لغاية عام 1980 حيث بلغ عام 1979 ما مقدار 3.562 مليون برميل يومياً، ولكن بدأ مرحلة النزول بعد أيلول/سبتمبر 1980 عند بدء الحرب العراقية ـ الإيرانية، وتعرضت منشآت الإنتاج والتصدير للقصف الجوي المباشر وهبطت معدلات الإنتاج إلى 1.0 – 1.3 مليون برميل يومياً خلال الفترة 1981 – 1985 حيث استطاعت وبشكل تدريجي وزارة النفط إضافة طاقات تصديرية جديدة من خلال إضافة المرحلة الثانية للخط العراقي ـ التركي فبلغت طاقته الإجمالية 1.65 مليون برميل يومياً ثم المرحلة الأولى عام 1986 للخط العراقي عبر السعودية والبالغة 750 ألف برميل يومياً وهكذا لغاية عام 1989 حيث بلغت 2.968 مليون برميل يومياً ووصلت في تموز/يوليو 1990 ( قبل الغزو العراقي للكويت ) إلى 3.4 مليون برميل يومياً .

بعد عام 1968 اعتمد العراق بشكل أساسي سياسة الاستثمار المباشر من خلال قيام شركة النفط الوطنية العراقية ومؤسسات وزارة النفط الأخرى بتنفيذ مشاريع تطوير الحقول والمنشآت السطحية اللازمة للإنتاج والخزن والنقل والتصدير، وذلك من خلال اتفاقيات التعاون الاقتصادي مع عدد من الدول كان في مقدمتها الاتحاد السوفياتي وعدد من دول أوروبا الشرقية آنذاك وعقود مقاولة على أساس تسليم المفتاح إلى مشاريع محددة المعالم لا يترتب عليها أية حصص في النفط, وتم بذلك تطوير حقول الرميلة الشمالي ونهر عمر واللحيس وخباز وغيرها، كما تم تنفيذ أنابيب التصدير إلى تركيا وعبر السعودية والميناء العميق على الخليج العربي، بالإضافة إلى عدد من المنشآت التحويلية كمصفى البصرة ووحدات إنتاج الغاز السائل وغيرها.

إلا أن العراق قام أواخر الستينيات وأوئل السبعينيات بالتعاون مع عدد من الدول في مجال الاكتشاف والتطوير، واقتصر ذلك على ثلاث محاولات جدية هي:

-   الاتفاقية مع فرنسا ( ألف - إيراب ) حيث تم بموجبها تطوير حقول ثلاث في محافظة ميسان ( البزركان – حقل فكة – ابو غرب ) وبعد إنهاء العمل في عام 1979 تم إعادة التفاوض واستبدال ذلك باتفاقية عامة للتعاون، ولم يترتب على ذلك أي تنازل للنفط المكتشف إلى الشركة المقاولة وتم تعويض الشركة عما أنفقت من استثمارات.

-   الاتفاقية مع شركة بتروبراس البرازيلية والتي تم بموجبها اكتشاف حقل مجنون العملاق وقد تم أيضاً في عام 1979 إنهاء ذلك الاتفاق دون أن يترتب عليه أية التزامات لصالح الشركة المقاولة باستثناء تعويضها عن نفقاتها.

-   اتفاق مع شركة ONGC الهندية لعمليات الاستكشاف (عقد خدمة) لقطعة في جنوب العراق إلا انه لم يتم بلوغ المعدل المتوقع لإنتاجية البئر فتم إنهاء العقد أيضاً.

-   وفي مرحلة لاحقة عام 1974 أصدرت شركة النفط الوطنية دعوات لعدد من الشركات العالمية لتقديم عروض على أساس عقود الخدمة أيضاً (Service Contracts) إلا أن الحكومة العراقية قررت وخلال عملية تقييم العروض إلغاء تلك السياسة وأصدرت توجيهاً إلى شركة النفط الوطنية بالمضي بسياسة الاستثمار المباشر.

وخلاف ما تقدم ركزت شركة النفط الوطنية العراقية على عمليات تقييم الدراسات الجيولوجية وتكثيف أعمال المسح الجيولوجي والزلزالي، وزادت من عدد الفرق الزلزالية العاملة سواء الأجنبية منها أو الوطنية، وكذلك بالنسبة إلى أبراج الحفر مع التوسع في عمليات حفر الآبار الاستكشافية والتطويرية وإجراء دراسات مشتركة مع جهات أجنبية كان على رأسها مؤسسات متخصصة من الاتحاد السوفياتي وفرنسا وغيرها.

وبموجبه أقرت شركة النفط الوطنية خطة طموحة لتطوير الإنتاج في عدة حقول مستكشفة وتم حفر العديد من الآبار التقييمية فيها وقامت بالتعاون مع شركات أجنبية متخصصة بإعداد الدراسات ووثائق المناقصة الخاصة بها، وذلك على أساس الاستثمار المباشر ودعوة شركات متخصصة لتقديم عطاءات على أساس تسليم المفتاح للأعمال الهندسية والإنشائية، وأخرى لعمليات الحفر. وشملت الخطة تطوير الإنتاج إلى 5.5 مليون برميل يومياً من خلال تطوير الحقول التالية:

-   حقل غرب القرنة: وذلك بالتعاون مع الاتحاد السوفياتي وقد تم بالفعل التوقيع والمباشرة بعقود الحفر عام 1981 وعقد بناء المرحلة الأولى عام 1988 0

      - حقـل مجنون والذي سبق وتم اكتشافه بالتعاون مع مؤسسة بتروبراس البرازيلية.

-       حقـل الحلفايا حيث تم إعداد المناقصة الخاصة بالحقل مع مؤسسة إجب الإيطالية

-       حقـل شرق بغداد حيث تم إعداد وثائق المناقصة الخاصة بالحقل مع مؤسسة (CFP) الفرنسية.

وكان من أهم الإجرآت التنفيذية التي اتخذت فعلاً في حينه، هو توقيع عقد مع شركة براون آند رووت  (Brown and Root) الأمريكية لتوسيع طاقة التصدير من ميناء البكر على الخليج العربي(حالياً ميناء البصرة العميق ) من طاقته الفعلية 1.4 مليون برميل يومياً إلى 2.4 مليون برميل يومياً. وتم خلال الثمانينيات إنجاز جزء كبير من العمل إلا أن ذلك تعرض للدمار نتيجة القصف في حرب الخليج الثانية في كانون الثاني / يناير 1991.

توقفت خطط تطوير الإنتاج للحقول المذكورة ولم يتم إحالة تلك المناقصات بعد نشوب الحرب العراقية ـ الإيرانية في أيلول/ سبتمبر 1980 حيث تم التركيز على تصليح المنشآت المتضررة، والسير بمشاريع أخرى من برنامج الصناعة التحويلية بما في ذلك مشاريع التصفية الثلاثة وغاز الشمال وغاز الجنوب وغيرها.

خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية التي دامت ثماني سنوات، تعرضت المنشآت النفطية لدمار كبير وفي بعض الحالات كان الدمار يصيب ما تم إصلاحه ولأكثر من مرة، وخاصة تلك المنشآت التي كانت بمتناول المدفعية كمصفى البصرة والموانئ العميقة لتصدير النفط الخام وغيرها. فكان التركيز في العمل هو كل عمليات الإصلاح وخاصة من قبل المؤسسات التشغيلية إلا أنه وبالرغم من ذلك فإن أنشطة الاستكشاف والحفر لم تكن لتتوقف لولا ظهور الشحة في الأموال بعد عام 1983، وبالتالي السعي وراء الحصول على تمويل أجنبي للمشاريع الكبرى، وهو ما تم الحصول عليه جزئياً نتيجة ثقة الشركات والمؤسسات الأجنبية بقدرات العراق المستقبلية.

إضافة إلى ما تقدم، فإن العمل استمر على قدم وساق في مشاريع كبرى سبق المباشرة بها قبل نشوب الحرب بل وتم المباشرة بمشاريع جديدة بضوء الظروف المستجدة وتم إكمال مشاريع غاز الشمال وغاز الجنوب لاستثمار معظم كميات الغاز المصاحبة للنفط الخام مع شبكة من خطوط أنابيب نقل الغاز الجاف والغاز السائل وكذلك مشاريع التصفية في مجمع بيجي بطاقة تصل إلى 290 ألف برميل يومياً مع شبكة أخرى لنقل المنتجات النفطية، ثم تم توسيع الخط العراقي ـ التركي إلى 1.65 مليون برميل يومياً، والخط العراقي عبر السعودية بطاقة 1.6 مليون برميل يومياً، إضافة إلى استمرار عمل الفرق الزلزالية والحفر الاستكشافي والتقييمي والتطويري وعمليات تطوير الحقول مثل المرحلة الأولى لحقل غرب القرنة العملاق وغيرها. وأخذت وتيرة العمل بالهبوط تدريجياً نظراً لإطالة الحرب وبدء مخاوف الشركات الأجنبية، وتم تقليص عدد الفرق الزلزالية وأجهزة الحفر الأجنبية واستمر الاعتماد كلياً على الجهد الوطني. وبعد توقف الحرب في 8/8/1988 كان الجهد الوطني كبيراً في إعادة عجلة الإنتاج والتصدير على وجه السرعة، وفوجىء العمل بخروج أول ناقلة محملة بالنفط الخام من ميناء تم ترتيبه بعجالة على خور الزبير، وتصاعدت وتيرة الإنتاج إلا أن العقبة كانت بمحدودية منافذ التصدير بعد تدمير الموانئ على الخليج العربي حيث لم يتم المباشرة بأعمال التصليح إلا بعد توقف كامل للحرب وتطهير المنطقة من الألغام والقطع البحرية الغارقة وبإكمال المرحلة الثانية من الخط العراقي ـ التركي، والمرحلة الثانية من الخط العراقي عبر السعودية.

عاودت معدلات الإنتاج والتصدير بالصعود حيث بلغت الطاقة الإنتاجية عام 1990 أكثر من 3.8 مليون برميل يومياً، بل إن الانتاج الفعلي في شهر تموز/ يوليو عام 1990 بلغ فعلاً حوالى 3.2 مليون برميل يومياً ( وهو ثاني أعلى رقم في تاريخ العراق بعد معدلات عام 1979 عندما بلغت أكثر من 3.4 مليون برميل يومياً)، وتم ذلك باستغلال جزئي لمنشآتٍ إنتاجية في حقل غرب القرنة والناصرية واللحيس وخباز وعجيل والعطاء الثالث لحقل الرميلة، وكانت الخطة تستهدف الوصول إلى طاقة 4.2 مليون برميل يومياً عام 1991 بعد إكمال المرحلة الأولى لحقل غرب القرنة.

في أواخر عام 1989 وبعد مناقشة مستفيضة أعدتها وزارة النفط تلبية لرغبة القيادة العراقية بالعمل على التسريع برفع الطاقة الإنتاجية، تم إقرار واعتماد مقترحات الوزارة بالعمل على الصعود التدريجي وصولاً إلى طاقة قصوى مقدارها 6 مليون برميل يومياً عام 1995 وبطاقة مستديمة مقدارها 5.5 مليون برمل يومياً وذلك بشرط فتح المجال للتعاون مع شركات النفط الأجنبية، وكان ذلك أمراً مرفوضاً منذ عام 1974، إلا أن وزارة النفط أوضحت عدم توافر القدرات الذاتية أو الجهد الهندسي بالإضافة إلى شحة الأموال وأهمية الحصول على التكنولوجيا الحديثة.

وكانت رغبة النظام هي بالوصول إلى 10 أو 8 مليون برميل يومياً على أقل تقدير، إلا أن الوزارة قدمت دراسة مستفيضة أقنعت القيادة العراقية بتأجيل ذلك إلى مراحل لاحقة، وكانت الخطة التي تم إقرارها مبنية على أساس بلوغ الطاقات القصوى التالية:

1990 الطاقة المتاحة 3.8 مليون برميل يومياً

1991                               الطاقة المتاحة 4.2 مليون برميل يومياً

1993                            الطاقة المتاحة 5 مليون برميل يومياً

1995                                الطاقة المتاحة 6 مليون برميل يومياً

وعلى أساس أن الطاقة المستديمة هي بحدود 5.5 مليون برميل يومياً .

ولغرض تطبيق تلك الخطة فإن الوزارة سارت قدماً في تطوير عدد من المشاريع ( خرمالة – خباز – عجيل )، والمرحلة الاولى من غرب القرنة من أجل الوصول غلى 4.2 مليون برميل يومياً وبعد انتهاء العمل في المرحلة الثانية من غرب القرنة ( مع الاتحاد السوفياتي آنذاك ) وبدء الإنتاج كمرحلة أولية من مجنون ونهر عمر وغيرها يتم الوصول إلى 5 مليون برميل يومياً.

وكانت الخطة مبنية على أساس دعوة شركات أجنبية للعمل على تطوير حقول جديدة سبق وأن تم اكتشافها وتقييمها بانتظار التطوير منذ أواخر السبعينيات وعلى أن نقوم بتوفير التمويل اللازم مع تسديده بالنفط الخام المنتج من الحقل، كما أنه سيكون هناك مشاركة عراقية في مجال الهندسة والإنشاء وإلى جميع المراحل من قبل شركات القطاع العام والخاص وعلى أن يتم توفير العملة المحلية من قبل الجانب العراقي.

والحقيقة تقال أنه وبالرغم من أن معظم الشركات المدعوة وخاصة شركات النفط الكبرى لم تكن مرتاحة للأسس الموضوعة، إلا أنها كانت مستعدة للتعاون والتباحث حول تطوير تلك الشروط. وتوقف ذلك كلياًَ في آب/ أغسطس 1991 بقيام العراق بغزو الكويت، ومن ثم بدء حرب الخليج الثانية في 16 كانون الثاني/يناير 1991 حيث تم استهداف كافة منشآت النفط الاستراتيجية والتحويلية من منشآت إنتاج وخزن ونقل وتصفية وتصنيع غاز، ومنشآت تصدير بضربات موجعة ومباشرة. ونتيجة للحصار المفروض على العراق منذ 6 / 8 / 1990 فقد توقفت كلياً عمليات التصدير عبر كافة الموانىء على الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر.

وكما أسلفنا، فإن شركات النفط العالمية والمستقلة لم تكن تفضل ذلك الأسلوب المعلن بل كانت تسعى وراء أسلوب المشاركة بالإنتاج أو عقود الخدمة أو عقود الاستكشاف والتطوير، إلا أنها أبدت استعداداً مبدئياً وقطعت المباحثات شوطاً لا بأس به بعد استلام ردود تلك الشركات في حزيران/يونيو 1990 وما كان لهذا الجهد أن يستمر حيث أقدمت القيادة العراقية على غزو الكويت والوقوف بوجه العالم والتعرض إلى قرارات الأمم المتحدة بفرض الحظر والحصار وهكذا وللمرة الثانية ( الأولى كانت في 1980) تعرضت خطة تطوير الإنتاج للتوقف ولم تبقى الطاقات الإنتاجية كما كانت عليه بل عادت للهبوط الحاد بعد قصف منشآت التصدير والإنتاج ومستودعات النقل ومحطات الضخ لأنابيب التصدير وغيرها. وبعد توقف الحرب تمكنت الكوادر الوطنية من إعادة إعمار ما يمكن من منشآت نفطية مكنت العراق من إعادة تشغيلها وبشكل خاص منشآت التصفية والتوزيع والكهرباء، وخلال أسابيع محدودة مكنت العراقيين من استخدام الوقود والكهرباء بشكل أقرب لما كان عليه الحال قبل الحرب ولكن الظروف المستجدة لم تكن كسوابقها حيث إن العراق تعرض هذه المرة إلى:

1 ـ توقف كامل لعمليات تصدير النفط الخام بموجب قرارت الحظر الصادرة عن الأمم المتحدة وباستثناء تجهيز الأردن بالشاحنات الحوضية بمعدل حوالى 80 – 90 ألف برميل يومياً واستمر المعدل على ذلك لغاية كانون الأول/ديسمبر 1996 عندما بوشر برنامج النفط مقابل الغذاء.

2   ـ لغرض توفير احتياجات السوق المحلية للمشتقات النفطية ونظراً إلى طبيعة وحدات التكرير وما صاحب بعضاً منها من دمار كامل لا زال جزء منه ينتظر الإصلاح، فقد اعتمدت الوزارة خطة لزيادة كميات النفط من أجل التصفية للحصول على الحاجة الفعلية من المشتقات وخاصة البنزين، والتخلص من الفوائض من بعض المشتقات بإعادة الحقن في الآبار ( وهو أمر سنبحث في انعكاساته السلبية لاحقاً ) أو المزج مع النفط الخام المصدر وبالتالي التأثير على مواصفاته، أو التصدير عبر تركيا أو الخليج العربي، وكان يعتبر تهريباً وفقاً إلى قرارات الأمم المتحدة .

على مستوى آخر وضمن محاولات العراق لكسر طوق الحصار، فقد زاد من محاولته لاستخدام النفط كسلاح سياسي وعاود محاولته مع عدد من الدول الأجنبية بإغرائها بالحصول على عقود مميزة لاستثمار النفط، وكانت البداية منذ أواسط عام 1991 مع شركات النفط الفرنسية (Total) و (ELF) ثم مع شركات من جنسيات أخرى، وكان البعض منها مع شركات نفط محدودة القدرة والإمكانية من دول العالم الثالث، ولم تفلح تلك الجهود مما دفع العراق إلى الدعوة لإقامة مؤتمر النفط في بغداد في أيار/ مايو 1995 دعا إليه عدداً كبيراً من شركات النفط. وعلى الرغم من أن الاستجابة العددية كانت جيدة، إلا أن غالبية الشركات المعروفة أحجمت عن المشاركة تخوفاً مما يمكن أن يفرض عليها من عقوبات، وكان المؤتمر يستهدف تعريف المشاركين بقدرات العراق النفطية ومجالاته الاستثمارية والتي تضمنت خطط تطوير طاقات العراق الإنتاجية إلى حوالى 6 مليون برميل يومياً، بالإضافة إلى مشاريع لتكرير النفط واستثمار الغاز. وبعد أن وجد العراق صعوبة في إقناع الشركات والدول بالسير في ذلك النهج، أقدم على تطوير سياسته النفطية بشكل جذري وأقر السير بأسلوب المشاركة بالإنتاج، وبدا مفاوضات جدية مع عدد من الشركات استهدفت أساساً الضغط على حكومات تلك الشركات لكسر الحصار المفروض على العراق، وبدأت استجابة الشركات تتضح من حيث توقيع عدد من الاتفاقيات، ولكن سرعان ما اتضح للحكومة العراقية أن جهودها لم تحقق، أي انفراج سياسي وبقيت جميع تلك العقود والاتفاقيات مجمدة فعلاً دون تحقيق أي عمل يذكر، مما دفع العراق إلى إلغاء العقد المبرم مع شركة لوكويل (Lukoil) الروسية في كانون الأول/ ديسمبر 2002 وقبل بدء الحرب على العراق بثلاث أشهر فقط وهذه أبرز تلك العقود:

 العقود والاتفاقيات التي أبرمها العراق خلال الفترة 1995 – 2000

1-  اتفاقية مشاركة مع مجموعة شركات بقيادة لوك أويل الروسية في آذار/مارس 1997 لتطوير حقل غرب القرنة / المرحلة الثانية.

النفط المخزون:             37.5 مليار برميل

النفط القابل للاستخراج:     11.3 مليار برميل

معدل الإنتاج المتوقع:      610.000 برميل يومياً

إلا أن الحكومة العراقية قامت بإلغاء العقد في 8/12/2002 نظراً لعدم مباشرة المقاول بأعمال التنفيذ ولا يزال الجانب الروسي معترضاً على ذلك القرار ويهدد باللجوء إلى التحكيم.

اتفاقية مشاركة مع مجموعة شركات صينية بقيادة شركة سي.إن.بي.سي. (CNPC) في حزيران/يونيو 1997 لتطوير حقل الأحدب قرب الكوت جنوب بغداد

النفط المخزون:     4.54 مليار برميل

النفط القابل للاستخراج:     995 مليون برميل

معدل الإنتاج المتوقع:      90.000 برميل يومياً

وبالرغم من عدم مباشرة الجانب الصيني بأعمال التنفيذ منذ تاريخ التوقيع، إلا أن الحكومة العراقية لم تقم بإلغاء العقد وهذا دليل آخر على أن القرار المتعلق بإنهاء العقد مع روسيا كان لاعتبارات سياسية بحتة.

3 ـ عقد تطوير حقل نور مع شركة النفط السورية في عام 2002 وعلى أساس المشاركة.

النفط المخزون:     1.66 مليار برميل

النفط القابل للاستخراج:     557 مليون برميل

معدل الإنتاج المتوقع :     50.000 برميل يومياً

4 ـ عقد تطوير القطعة الاستكشافية رقم 8 قرب الحدود العراقية ـ الكويتية وعلى أساس عقد الاستكشاف والإنتاج مع شركة (ONGC) الهندية.

 وهناك عدد آخر من الاتفاقيات كان أخرها الاتفاقية مع شركة روسية أبرمت في كانون الثاني/يناير 2003 ويبدو أن تلك العقود والاتفاقيات أصبحت تشكِّل مشكلة للحكومات ما بعد الحرب، حيث تسعى تلك الشركات مدعومة من قبل حكوماتها إلى اعتبارها نافذة المفعول وخاصة عقد تطور غرب القرنة مع شركة لوك أويل الروسية، في حين يعتبرها البعض الآخر مخالفة لقرارات الحصار، وأن السير بها هو مكافأة لتلك الشركات والدول التي تعاونت مع النظام السابق خلافاً لقرارات الأمم المتحدة.

إن الحل الأمثل والمنطقي لهذه العقود والاتفاقيات، والتي ربما تتضمن شروط مجحفة للجانب العراقي كونها أبرمت تحت ظل ظروف استثنائية استهدف العراق خلالها الحصول على مكاسب سياسية، فإنه من الأفضل وبعد إقرار التشريعات القانونية والمالية اللازمة واعتماد سياسة وخطط نفطية واضحة، أن يتم العمل على إعادة التفاوض مع تلك الشركات وحسب ما تقتضيه مصلحة العراق، على أن يتم تعديل تلك الشروط والتي لم تكن لمصلحة الجانب العراقي

وحيث إن تلك العقود لم تكن في غالبيتها مع شركات تمتلك قدراً كافياً من القدرات والخبرات والإمكانيات المالية والتكنولوجية، فإنه ربما من الأفضل لكلا الجانبين أن تقوم تلك الشركات بدعوة شركات أخرى للمشاركة على أساس (Consortium) لسد النقص المذكور وهو أمر ينطبق على جميع العقود والاتفاقيات وخاصة عقد تطوير حقل غرب القرنة مع الروس أو حقل الأحدب مع الصين وغيرها.

هذا ولا بد من الإشارة هنا إلى أنه على الرغم من أن العراق أبرم في عام 1997 عقدين على أساس المشاركة بالإنتاج (Production Sharing ( PSA )) مع روسيا والصين، إلا أنه قام عام 2000 بتطوير أسس جديدة تعتمد عقداً للتطوير والإنتاج (Development & Production Contract) .

 2 ـ الوضع الحالي للمكامن من الحقول النفطية

بدأت وتيرة العمل في عمليات الحفر واستصلاح الآبار بالهبوط منذ أواسط الثمانينيات إضافة إلى الدمار الذي أصاب منشآت حقن الماء خلال الحرب وبالتالي تردي مواصفات المياه اللازمة لأغراض الحقن، وبعد حرب الخليج الثانية زاد تردي الأوضاع وانعكاساته غير الظاهرة للعيان على سلوك الآبار والمكامن وخاصة بعد زيادة معدلات إعادة حقن النفط بعد تجريده من الغاز – والوقود الثقيل وأنواع أخرى من المشتقات النفطية في الآبار وخاصة في كركوك، وبمستوى أقل من حقول البصرة ووصلت معدلات الحقن في بعض الأحيان في كركوك إلى حوالى (300) ألف برميل يومياً.

وبعد بدء برنامج النفط مقابل الغذاء ورفع معدلات التصدير تدريجياً وفق البرنامج المذكور تحت سقف حدد أولاً بـ 1.6مليار دولار كل ست أشهر ثم رفع إلى 2 مليار دولار وبعدها تم رفع السقف كلياً في عام 1998، فإن السلوك المكمني بدأ بالتغيير نتيجة لعدم استبدال الآبار الجافة وصعود مستويات الماء في النفط المنتج وتردي نوعية مياه الحقن، وكانت إدارة عمليات الإنتاج تستهدف تصعيد المعدلات بأي ثمن دون مراعة للاعتبارات الفنية والمكمنية ورغم العديد من التحذيرات التي صدرت حول الموضوع من جهات عديدة والتي دعت إلى فسح المجال لعمليات الحفر واستصلاح الآبار وإعطاء الأولوية لتوريد المعدات والمواد اللازمة لمنشآت حقن الماء وإدامة المكامن. وكان الحل المطلوب ومنذ أواسط التسعينيات يتمثل بضرورة:

-       وضع سقف للإنتاج يراعي الظروف المتدهورة للمكامن وخاصة في كركوك والرميلة والزبير.

-        إيقاف عمليات حقن السوائل في الآبار

-        التعويض عن الآبار المفقودة لجفافها بآبار جديدة

-        المباشرة الفورية بعمليات استصلاح الآبار ومنشآت حقن الماء.

-    المباشرة بإعداد دراسات شاملة لتقييم السلوك المكمني للآبار والمكامن والحقول وتكييف خطط الإنتاج بضوء ذلك، وتعديلها تدريجياً بضوء المعالجات التي تم تطبيقها وخاصة ما يتعلق بحفر آبارٍ إنتاجيه جديدة وأبار حقن ماء واستصلاح الآبار وغير ذلك.

-       استصلاح المنشآت السطحية بعد عمليات مسح وتفتيش وفحص هندسي كامل لكافة المنشات النفطية.

كان واضحاً أواسط التسعينيات من أن وضع الصناعة النفطية والأضرار الكبيرة التي لحقت بها ستعني أن قسماً منها ستبقى آثاره لفترة من الزمن بما في ذلك وضع الحقول، آبار النفط المنتجة إضافة إلى منشآت حقن الماء، وأن الصناعة بحاجة ماسة إلى برنامج طموح يتضمن إعادة تقييم الحقول، استصلاح جميع آبار النفط وحقن الماء، استصلاح جميع الأضرار وإجراء صيانة سليمة لكل المنشآت بما فيها منشآت الإنتاج والتركيز والخزن والنقل والتصدير. هذا كله من أجل إعادة الصناعة النفطية لما كانت عليه قبل آب/أغسطس 1990

لقد كان ذلك قبل تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء حيث دخلت الصناعة النفطية بعدها في مرحلة جديدة من سوء إدارة المكامن بسبب سياسة تعظيم الإنتاج من أجل تعظيم الإيرادات النفطية إضافة إلى انعدام كافة المستلزمات المادية والتكنولوجية وغيرها، مما ساعد في استمرار تدهور أوضاع المكامن . وقد أكدت تقارير الأمم المتحدة تدهور النفط من خلال عدة تقارير منها تقرير صدر في 15 نيسان/ أبريل 1998 حيث ورد فيه ما يلي:"إن الصناعة النفطية في العراق في وضع مزرٍ وأن حقول النفط المنتجة قد بدأت انتاجياتها بالهبوط بشكل خطير قسم منها غير قابل للإصلاح، وذلك خلال العهدين السابقين. إن تلك الصناعة تبدو أقرب إلى الدمار في الأمد القصير منه إلى التحسن".

وفي 2 تموز/ يوليو ورد في تقرير السكرتير العام للأمم المتحدة المستند إلى تقرير شركة سايبولت (Saybolt) المعتمدة لمراقبة عمليات النفط بموجب برنامج النفط مقابل الغذاء:" إن العراق قد استمر باعتماد سياسة تعظيم إنتاج النفط الخام من الآبار بدون إجراءات صيانة كافية للحفاظ على ضغط الآبار مما أدى إلى أن تصبح حوالى 20 بالمئة من الآبار المنتجة في شمال وجنوب العراق في وضع غير قابل للاستصلاح".

وقد حذر التقرير وكذلك ما سبقه وتبعه من تقارير صدرت خلال الفترة 1998 –2002 والتي أشارت إلى هبوط إنتاجية الحقول المنتجة حالياً بشكل خطير وفي بعض الحالات بدرجة غير قابلة للإصلاح، كما حذر التقرير من أن أية زيادة كبيرة في الإنتاج كما هو جاري من دون توفير الأدوات الاحتياطية والمعدات، سوف يؤدي إلى إلحاق ضرر خطير بالمكامن وشبكات الأنابيب، وتكون مخالفة للمبادىء المعنوية للإدارة السليمة في إدارة الحقول.

كما واعترف وزير النفط العراقي الأسبق عامر رشيد في مقابلة نشرت في 9/10/1998 بأن "العراق سيستمر بالإنتاج بمعدلات عالية رغم عدم وصول معدات احتياطية، وذلك سيعني أننا سنبقى على الإنتاج بمعدلات ضارة. إن قابلية الاستخراج على المدى البعيد قد تضررت وإن نسبة الماء مع النفط المنتج ستكون بازدياد.

وفي شباط/ فبراير 2000 اعترف الوزير المذكور مرة أخرى بأن صناعة النفط هي بوضع سيىء يعرض منشآت الإنتاج للخطر وأن الصناعة قد تعرضت لأضرار على المديات القصيرة والمتوسطة والطويلة.

إن المزج العشوائي لسوائل مختلفة وبشكل رئيسي نفط البصرة والوقود الثقيل وحقنها في تركيب مثل حقل كركوك واستمرار حقن هذه السوائل غير المتجانسة منذ عام 1992 وبمعدلات تباينت بين 100 ألف برميل يومياً و 300 ألف برميل يومياً قد أدت إلى إلحاق أضرار كبيرة في مواصفات المكمن ومنها:

-       ارتفاع مستوى تماس النفط والماء في قبة أفانا.

-       - هبوط مستوى تماس النفط والماء في قبة بابا.

-       - هبوط نسبة الغاز للنفط (GOR) بالقرب من مناطق الحقن.

-       - توقف حوالى 20 بالمئة من الآبار المنتجة.

هذا ومن المعروف بأنه بالرغم من أن المعلومات تلك لم تكن خافية على أحد، إلا أن سلطات الاحتلال الأمريكية اعتمدت الأهداف والبرامج الإنتاجية السابقة نفسها في عام 2003 وبعدها في حين أنه كان يستوجب اعتماد المحددات التالية:

-       عدم تصعيد معدل التصدير لأكثر من 1.6 مليون برميل يومياً خلال عام 2004.

-   تحديد كمية (400) ألف برميل يومياً لغرض تجهيز المصافي ومحطات الكهرباء وبذلك يحدد معدل الإنتاج بما لا يزيد عن 2 مليون برميل يومياً.

-       إعادة العمل ببرامج تصدير الوقود الثقيل للدول المجاورة والتوقف عن إعادة حقنه في الحقول.

-       إيقاف جميع ممارسات إعادة الحقن بما في ذلك النفط المجرد من الغاز لفرض إنتاج الغاز السائل.

-    المباشرة الفورية ببرنامج لإعادة تقييم المكامن وتوفير كافة معدات المراقبة والقياس والبدء بعمليات استصلاح الآبار والعمل وفق برنامج إنتاجي سليم يتماشى وواقع المكامن وليس وفقاً لمستلزمات الخطط الإنتاجية.

-       إعادة العمل ببرامج تطوير أو زيادة طاقات الحقول الصغيرة مثل حمرين وخورمالة وصبة واللحيس وغيرها.

وبعد تأخير كبير أحالت وزارة النفط عقدين لتقييم مكامن كركوك والرميلة في بداية عام 2005 على شركتي شل وبي.بي (BP) وعلى أن تنجز المراحل الأولى من الدراسة أوائل عام 2006، إلا أن الوزارة لم تغير من خططها أو برامجها الإنتاجية مستهدفة إنتاجاً عالياً وموارد مالية قصوى.

هذا ولا بد من الإشارة مرة أخرى إلى أنه وبالرغم من العشرات من التقارير والبحوث التي قدمت خلال التسعينيات ولغاية بدء الحرب على العراق في آذار/مارس 2003 حول وضع الصناعة النفطية العراقية، فإن قوات الاحتلال الأمريكي بقيادة سلطة التحالف المؤقتة (CPA) وضعت نصب أعينها تصعيد الإنتاج بمعدلات ما قبل الحرب والتي وصلت في حينها إلى 2.8 مليون برميل يومياً بل وأنها ووفقاً لتصورات أعلنها مسؤولون أمريكان مثل ديك تشيني نائب الرئيس، فإن الإنتاج استهدف الوصول إلى 3 مليون برميل يومياً خلال أشهر من توقف الحرب. كل ذلك كان سبباً لإلحاق المزيد من الأضرار للمكامن والحقول.

من المعروف أن المنشآت النفطية العراقية لم تتعرض خلال الحرب الأخيرة على العراق إلى ضربات مباشرة كما حدث خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية أو حرب الخليج الثانية عام 1991 ولكن حدث ما هو أسوأ من ذلك عندما قامت سلطة الاحتلال بخلق فراغ كامل نتيجة حل أجهزة الجيش والشرطة والأمن، وبذلك تعرضت الوزارات ومؤسسات الدولة إلى أعمال نهبٍ وسلبٍ وحرقٍ شهد الجميع على أنه كان وفق عمليات منظمة ومدروسة مسبقاً وبالتالي فإنه على الرغم من أن ما تم ادعاؤه من قبل حول قيام قوات الاحتلال بحماية وزارة النفط في بغداد، إلا أن مقرات شركات نفط الشمال ونفط الجنوب ومركز الحبيبية لعمليات الاستكشاف والنهروان والعديد من محطات الضخ وعزل الغاز والكابسات وأجهزة الحفر ووسائط النقل والمخازن، تعرضت للنهب والسلب وفقدت الوزارة معلومات قيمة تتضمن دراسات وبحوث وتقارير للجس وغيرها، ولم يكن هناك من رقيب أو من يحمي هذه المنشآت، وعلى الرغم من أن سلطات الاحتلال قامت بتخصيص مبالغ لإعادة أعمال الصناعة النفطية من خلال شركات أمريكية، فإن النتائج المتحققة كانت مخيبة للآمال بشهادة العاملين والمسؤولين في الوزارة، لا بل إن بعضاً من الأجهزة والمعدات والأدوات الاحتياطية التي جهزت بعد الحرب تعرضت للسرقة لاحقاً.

وبالرغم من ذلك ودون مراعاة لمواقع المكامن والحقول والآبار كما شرحنا سابقاً، فإن الهدف الذي وضع بعد الاحتلال كان لتعظيم الإنتاج أيضاً، إلا أن الواقع فرض نفسه لاحقاً وأعلنت الوزارة من خلال شركتيْ نفط الشمال والجنوب عن تخفيض طاقاتها الإنتاجية بسبب تأخر تنفيذ العديد من المشاريع وأعمال الحفر وزيادة نسب الماء في النفط، وتشهد الخطط الإنتاجية لعام 2005 على ذلك حيث إن الأهداف المحددة وهي 1.8م برميل يومياً لشركة نفط الجنوب و 440 ألف برميل يومياً لنفط الشمال، إنما هي تفترض إنجاز العشرات من المشاريع والأعمال والتجهيزات خلال السنة نفسها وهذا هو أشبه بالمستحيل وفقاً إلى الظروف والسياسات القائمة.

أنتهى الجزء الأول .. لقراءة الجزء الثاني أنقر هنا

 
     

المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها - أتفاقية الأستخدام
كل الحقوق محفوظة ®2013 لموقع النفط والغاز الطبيعي العربي