موقع النفط والغاز الطبيعي العربي

 

 

 
  الصفحة الرئيسية > قسم الدراسات

قضية الأمن النفطي في ظل الخارطة الجديدة لجغرافيا النفط العالمية

تشانغ تسي كوين  CHANG ZE KUN
معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية الصيني

 

 ظلت استراتيجية الموارد الطبيعية جزءا هاما من الاستراتيجية الجيوسياسية العالمية ، وبالتالى بات الامن النفطى قضية من القضايا ذات الاسبقية التى توليها جميع دول العالم جل اهتماماتها عند دراستها للقضايا المتعلقة بامنها الاقتصادى وامنها القومي .

و يعتبر النفط بمثابة " ام الطاقات " و " الدم " الذي يسري فى شرايين الصناعات الحديثة والعصب الرئيسى للاقتصاد الحديث . وفى الوقت الراهن فان النفط ليس ثروة فقط بقدر ما هو مورد استراتيجي يتمتع بابعاد سياسية لما له من تأثيرات سياسية على استقرار وامن الدول . هذا وان الدور الهام الذى يلعبه النفط فى المجتمعات المعاصرة هو بالذات الذي جعل مسألة الامن النفطى من احدى اهم القضايا ذات الاسبقية التى توليها دول العالم اهتماماتها عند دراسة القضايا المتعلقة بامنها الاقتصادى و امنها القومي ، وخاصة الدول الغربية التي اقحمت نفسها فى كل ما يتعلق بالنفط ، وراحت تتنافس لبسط تأثيراتها عليه ومحافظة السيطرة على مصادره في الداخل والخارج ، مستخدمة كافة الاساليب السياسية و العسكرية و الديبلوماسية و القانونية .. و بناء على الابحاث والتحليلات لخبراء الطاقة الدوليين فان الطلب العالمى على النفط سيزداد بشكل سريع خلال العشرين سنة القادمة ، و بالتالى ستشتد درجة خطورة انقطاع الامداد النفطى .. فمن اجل ضمان الامن النفطى ، ينبغى ان لا يقتصر اهتمامنا على السوق النفطى الداخلى فحسب ، بل يتحتم علينا ايلاء الاسواق النفطية الخارجية اهتماما خاصا ، و ان ننظر الى مسألة الامداد النفطى من منظور عالمى .. ان الصراع القائم بين دول العالم على الموارد النفطية الدولية اصبح اليوم من ضمن القواعد الاساسية التى يبنى عليها محاور ديبلوماسيتها السياسية .

الصورة الجديدة
لمكونات جيوغرافية النفط العالمية

ظلت استراتيجية الموارد الطبيعية جزءا هاما من الاستراتيجية الجيوسياسية العالمية، حيث لا يوجد احد ممن يعنيه الامر ، ابتداءا من السيد مايديجين – داعية " نظرية سيادة الاراضى الوطنية " حتى السيد بريجينيسكي بنظريته الحديثة " الوضع العام للشطرنج" ، لا يضع الموارد الطبيعية فى المكانة الاستراتيجية .. ان الولايات المتحدة و غيرها من الدول الغربية الكبرى قد ربطت استراتيجية الموارد الطبيعية بشكل وثيق مع اهدافها السياسية الاستراتيجية.. فقبل اندلاع الحرب العالمية الثانية كان المحور الجيوغرافي للنفط و الغاز الطبيعى العالميين فى خليج المكسيك الامريكى ، ثم انتقل تدريجيا - عقب الحرب – الى منطقة الخليج فى الشرق الاوسط ، حيث ظلت مكانته كمحور جيوغرافى للنفط و الغاز العالميين تتعرض لتحديات كبيرة اثر ما تعرض له من ضربات ادت الى ازمات نفطية عالمية حادة في عامي 1973 و 1979 على التوالى ، ومع ذلك لا زال يتمتع حتى الان بنفوذ هائل .. ومع الانفتاح على الخارج الذي حصل على الموارد الهائلة للمناطق المحيطة بالبحر الاسود وروسيا في تسعينات القرن العشرين ، اضافة الى سعي دول العالم الى تنويع مصادر استيرادها للموارد الطبيعية ، أتى بتحديات جديدة لمنطقة الخليج في الشرق الاوسط في مجال التصدير والاسعار والشحن وغيرها من المجالات ، مما جعل المشكلة المتعلقة بالموارد الطبيعية تطل برأسها من جديد .. و اليوم فان التشكيلة الجديدة لجيوغرافية النفط و الغاز الطبيعى هي المناطق المنتجة للنفط فى الشرق الاوسط ( 1 ) من ناحية ، مع روسيا المنتجة للنفط والغاز من ناحية اخرى متفاعلة بعضها مع البعض فى عمليات الامداد و التصدير وتحديد اسعار النفط على المستوى العالمى ، و تشكلان شريطا شاسعا يمتد من الدول المغربية الواقعة فى شمال افريقيا ، فمنطقة الخليج ، فبحر قزوين وسيبيريا الروسية فالشرق الاقصى ، علما بان هذه المناطق تحتوي على 65% من الاحتياطى النفطى و 73% من احتياطى الغاز الطبيعى فى العالم اجمع ( 2 ) . و قد سماه بعض العلماء الصينيين باسم " شريط قلب النفط " ، كما يرون ان الطلب النفطى العالمى سيأتى اساسا من جزئين يحيطان بهذا الشريط : احدهما " المنطقة الهلالية الداخلية للطلب النفطى " و التى تضم شمال شرق آسيا و جنوب شرقيها و قطاعها الجنوبى اضافة الى القارة الاوربية .. علما بان بريطانيا و اليابان تقعان على حافته ، والاخر " المنطقة الهلالية الخارجية للطلب النفطى " والتى تشمل امريكا الشمالية و المناطق الافريقية الواقعة جنوب الصحراء اضافة الى اوقيانوسيا .. وتشكل المنطقتان او البقعتان المذكورتان آنفا صورة جديدة لجيوغرافية الموارد النفطية والغازية على المستوى العالمى .

 

صراع الدول الكبرى
فى ظل الصورة الجديدة لجيوغرافية النفط العالمية

يتقرر هيكل الصراع الدولى على النفط وفق التشكيلة الجيوغرافية للموارد النفطية ، فاذا نظرنا الى النفط من زاوية متغيرات تاريخ السياسة الدولية المعاصرة ، نجد بان النفط اصبح تدريجيا بؤرة تنافس الدول من اجل المحافظة على قواها الوطنية والسعي وراء الهيمنة ، فراحت الدول الهامة الكبرى في العالم تصول وتجول وتبتكر الوسائل والاساليب من اجل السيطرة على المصادر النفطية ورسم اطر وحدود نفوذها عليها .. فقد نشبت في سنوات الحرب العالمية الثانية خلافات حادة بين بريطانيا و الولايات المتحدة حول المصادر النفطية فى الشرق الاوسط . فكان بعض اعضاء الحكومة البريطانية يعارضون بشدة تدخل الولايات المتحدة ببترول الشرق الاوسط مدعين بان " النفط هو اخر ، واكبر الممتلكات التي خلفتها الحرب لنا ، فعلينا رفض طلب الاميركان في مناصفتهم لاّخر ممتلكاتنا " .. الا ان الرئيس روسفيلت استدعى السفير البريطانى لدى الولايات المتحدة فى ليلة 18 فبراير 1944 مقترحا عليه ان يكون " نفط الخليج ملك لكم ( لبريطانيا ) ، والنفط العراقى والنفط الكويتى يتم مناصفته بين الطرفين ، بينما النفط السعودى فهو ملك لنا وحدنا " . ( 3 ) ، ثم سافر هو شخصيا ، بعد اجتماع يالطا الذى عقد فى فبراير 1945، الى مصر حيث التقى بالملك السعودى وقتها لهذا الغرض .. وعلى الفور تبعه السيد تشرشل رئيس الوزراء البريطانى الاسبق للاجتماع بالملك السعودى ايضا مما اظهر للعيان حدة الصراع فيما بين الطرفين .

و بحلول القرن الحادي و العشرين تكون الولايات المتحدة قد ادرجت امن الطاقة فى اولويات سياستها وتجارتها الخارجيتين ، حيث شكلت ادارة بوش الابن فى 17 مايو/ أيار 2001 ، اى فور توليه الرئاسة ، مجموعة عمل برئاسة السيد تشيني نائب الرئيس للبحث والدراسة في سياسة الدولة للطاقة ، وقدمت بدورها " تقريرا عن سياسة الدولة للطاقة " يتمحور حول المسألة النفطية بالذات ، طارحا استراتيجية خارجية للتغلب على ازمة الطاقة تتجسد فى تعزيز علاقات الولايات المتحدة مع كبرى الدول المنتجة للنفط امثال كندا و المملكة السعودية و فنزويلا و المكسيك وغيرها من الدول الغنية بالموارد النفطية ؛ وتعزيز العلاقات مع دول الخليج المصدرة للنفط ؛ والاسراع بعملية تنمية واستغلال المصادر النفطية فى مناطق البحر الاسود و روسيا ؛ ومتابعة باهتمام تحركات الدول الاسيوية ذات الصلة بالنفط و خاصة الصين ( 4 ) .. وكانت الشخصيات الحكومية الهامة في امريكا ، امثال كيسنجر و بريجينيسكى و خينتدون ، لجانب كبار العلماء يرون على السواء ضرورة السيطرة الامريكية على الشرق الاوسط ، حيث لا مفر لها ولا خيار امامها غير ذلك كي توطد ، من الجهة الجنوبية ، " رأس جسرالديمقراطية الاوربية " ، مما يجعل الدول ، من منطقة القوقاز حتى آسيا الوسطى ، تتقبل النموذج الاقتصادى و النظام الديمقراطى ل " العالم الحر " ، والسير على طريق التنمية المستقرة والمستديمة ، وهذا ما يمكن مواردنا الطبيعية من ان تجد " مخرجا معقولا " للتفاعل والارتباط بالاقتصاديات العالمية ، ويضع ، من الناحية الاستراتيجية ، " الدول المعينة " الواقعة في القارتين الكبيرتين الاسيوية والاوروبية ، في موقف لا خيار لها دون الانصهار فى " النظام الدولى القائم على اساس الديمقراطية و التعاون " . وعلى ضوء ذلك ليس من الصعب ان ندرك الاسباب الخفية التى دفعت بالولايات المتحدة لشن حرب " اقصاء صدام " . اضف الى ذلك المكانة الاكثر بروزا التي ظهرت فيها منطقة اسيا الوسطى في التشكيلة الجيوسياسية الدولية بعد تفكك الاتحاد السوفياتى السابق ، والتي عادت تشكل بؤرة اهتمام الولايات المتحدة .. و قد ادعى السيد ونبرغ وزير الدفاع الامريكى السابق فى احدى مقالاته قائلا " ان احدى المهام الملحة للسياسة الخارجية الامريكية تتمثل في ضرورة وضع خطة ثابتة وحازمة ، غير مترددة ، وقابلة لتفهم الاخرين لاستيراد النفط و الغاز الطبيعى من منطقة بحر قزوين " ، فأخذت الادارة الامريكية بنظريته هذه كونها تتمتع بصفة تمثيلية فى الولايات المتحدة . وقد ادرجت الولايات المتحدة منطقة آسيا الوسطى فى عداد " المناطق ذات المصالح الاستراتيجية " فى استراتيجيتها الجديدة ، وبدأت تعمل جاهدة للسيطرة على هذا المصدر النفطي الجديد خلال القرن الحادي والعشرين .. هذا و قد ربطت الولايات المتحدة عملية الاستيلاء على الموارد النفطية فى منطقة آسيا الوسطى بشكل وثيق مع استراتيجيتها الخاصة بالجيوسياسية العالمية و التى تهدف اساسا الى انتزاع حق توجيه وقيادة شؤون المنطقة اضافة الى ملىء " الفراغ السياسى " فيها . و يمكن رؤية ذلك من خلال الممارسة العملية للولايات المتحدة في تأييدها المطلق للشركات النفطية الغربية في المشاركة الفعالة بعمليات التنمية النفطية فى هذه المنطقة ، ومحاولاتها فى بناء معبر لنقل نفط المنطقة مباشرة الى الاسواق الاوربية و الامريكية دون المرور بالاراضى الروسية او الايرانية ، و اما على المستوى الاستراتيجى فنجد ذلك من خلال ما تقوم به الدول الغربية تحت قيادة الولايات المتحدة من عمليات توسع لحلف شمال الاطلنطى نحو الشرق ، هذا من ناحية ومن الناحية الاخرى ، من خلال تعزيز تحالفها مع اليابان من الجهة الشرقية .. وقد اصاب السيد بريجينيسكى عندما قال ، ان اولويات المصالح الامريكية واهمها تكمن في المساعدة على عدم سيطرة اي دولة كبرى بشكل منفرد على هذا الفضاء الجيوسياسي ، وضمان حرية دخول جميع دول العالم الى هذه المنطقة على الصعيدين المالى و الاقتصادى دونما اى عائق . و وفقا للاحصائيات المعنية فان الولايات المتحدة تسهم سنويا بمبالغ طائلة تصل الى 2.2 مليار دولار امريكى تقدمها كمعونات انسانية تحت بند تفعيل عملية الاصلاح للدول الثمانية الواقعة فى منطقة آسيا الوسطى و محيط القوقاز ، علما ان 30 – 40 بالمائة من الاموال الاجنبية الخاصة بتطوير مصادر الطاقة هنالك تعود الى الولايات المتحدة .

تعتبر روسيا من البلدان الكبرى المنتجة للنفط فى العالم . وقد طرحت الحكومة الروسية فى اكتوبر 2000 (( استراتيجية تطوير مصادر الطاقة فى روسيا الاتحادية )) ، مؤكدة على دفع عجلة الانعاش الاقتصادى الى الامام والحفاظ على مصالحها الجيوغرافية من خلال ترسيخ دبلوماسية الطاقة ، حيث ان طريق تفكيرها العام هو " الحفاظ على استقرار اوروبا الغربية ، و خوض غمار المنافسة في منطقة بحر قزوين ، و فتح الاسواق الشرقية ، و اختراق اسواق امريكا الشمالية تحديا لمنظمة الاوبك " . فراحت روسيا ، بعد " حادثة الحادي عشر من سبتمبر " تعمل بالكامل على فتح المجالات الدبلوماسية للطاقة على الجبهات التالية : اولها ترسيخ علاقات التعاون بينها و بين اوروبا فى مجال الطاقة ؛ وثانيها فرض تاثيرات اقوى على عمليات تطوير مصادر الطاقة فى منطقة بحر قزوين ؛ و ثالثها انماء علاقات التعاون بينها وبين بلدان آسيا و محيط البحر الهادى؛ ورابعها تعزيز علاقات التعاون بينها وبين الولايات المتحدة فيما يتعلق باستراتيجية الطاقة .

واما الاتحاد الاوربى ، باعتباره من اهم المناطق المستهلكة للنفط ، فان 50 بالمائة من احتياجاته البترولية تستورد من الخارج ، مما يعنى ان درجة اعتماده على النفط عالية نسبيا . و بعد ان شنت الولايات المتحدة الحرب على العراق فان فرنسا و المانيا وغيرهما من دول اوروبا الغربية بدأت تسعى جاهدة في البحث عن ايجاد شركاء تعاون جدد فى مجال الطاقة لتأمين استقرار امداداتها النفطية ، حيث وضعت استراتيجية جديدة للطاقة تتمحور على النواحي التالية : اولا - تعزيز علاقات التعاون مع ايران فى مجال الطاقة . فعلى الرغم من ان الولايات المتحدة قد ادرجت ايران فى عداد " دول محور الشر " ، الا ان الكثير من الدول الاوروبية تشجع بقوة شركاتها النفطية و الغازية على الاستثمار فى ايران غير اّبهة او مكترثة بالقوانين الامريكية التى تنص على عدم السماح للشركات الاجنبية بالاستثمار فى قطاع الطاقة الايرانى . و ثانيا – الحرص على الاستثمار فى مجال الطاقة و المشاركة فى نشاطات الاستخراج والتنمية فى المملكة العربية السعودية والكويت وغيرهما من دول الخليج . واليوم فان العديد من الشركات النفطية الاوروبية ، بما فيها شركة توتال الفرنسية . قد نجحت في اجتياز المؤهلات الاستثمارية للسعودية وشرعت في المباحثات حول تطوير ثلاث حقول للغاز الطبيعى باستثمار يزيد عن الخمسة مليارات دولار اميركي . و ثالثا – بناء علاقات شراكة استراتيجية فى مجال الطاقة مع روسيا . و يرجح الاتحاد الاوربى ثقل سياسته للطاقة بشكل ملفت الى روسيا بحكم استراتيجيتها الجيوغرافية . و حتى عام 2001 فان ثمة 26 شركة من الشركات النفطية الاجنبية قد استثمرت فى المجرى الاعلى من الانتاج النفطى و الغازى بروسيا ، و جاءت تلك الشركات من انجلترا و النرويج و فرنسا و ايطاليا و اوستراليا و اليابان و كوريا علما بان المانيا و فرنسا و ايطاليا قد استثمرت حتى النصف الثانى من عام 2002، بالتعاون مع روسيا بمبلغ وصل الى مليارين دولار امريكى لبناء خط انابيب نقل الغاز الطبيعى الذي يمر في روسيا البيضاء و بولونيا و سلفاكيا حتى القارة الاوروبية . اضف الى ذلك فان شركة شيل الامريكية للنفط و شركائها قد اجازت ميزانية المشروع رقم 2 فى منطقة ساهارين بروسيا و ستستثمر وفقا للخطة المرسومة ، من الان حتى ما قبل عام 2014 أكثر من 8500 مليون دولار امريكى بهدف زيادة الكمية الانتاجية من النفط والغاز الطبيعى فى منطقة الشرق الاقصى من روسيا . رابعا – العمل الجاد على فتح اسواق جنوب شرق آسيا ، والدخول الى الموارد النفطية و الغازية فى امريكا اللاتينية ، و الزحف بقوة نحو الاسواق الافريقية للطاقة .

اليابان كبلد شحيح الموارد الطبيعية يواجه مشكلة امن الطاقة التي ظلت تشكل " قلقا دفينا " لها . و قد منيت بخسائر جسيمة ابان الازمة النفطية التى حدثت فى سبعينات القرن العشرين ، فراحت الحكومة اليابانية بعدها تدرج استراتيجية النفط فى عداد سياسات الدولة . وبدأت في السنوات القليلة الماضية تعمل جاهدة على تعزيز علاقات التفاعل المتبادل مع الدول المنتجة للنفط فى الشرق الاوسط و منطقة الخليج طارحة ما يسمى بالبرنامج الدبلوماسى الخاص بالقارتين الاسيوية والاوربية الذى يستهدف المصادر النفطية فى منطقة آسيا الوسطى ، فى الوقت الذى تمارس فيه " دبلوماسية الدولار الذهبى " لتوفير اساليب التعاون الاقتصادى و التقنى واسع النطاق التى تؤهلها خوض غمار الصراع على المصادر النفطية عالميا هادفة من وراء ذلك الى تأمين مصادر نفطية مستقرة لها من خلال مواصلة تعزيز علاقاتها مع الدول المنتجة للنفط فى الشرق الاوسط من ناحية و من ناحية اخرى الى انتزاع حق المشاركة فى بناء اناببب نقل النفط فى الشرق الاقصى من خلال عملية التنافس على منطقة الشرق الاقصى و توسيع نطاق التعاون مع روسيا ، و من ناحية ثالثة ان تتربص بشمال افريقيا لتحقيق تنوع مصادرها النفطية .

 

الوضع الامنى للنفط الصينى
فى ظل الصورة الجديدة لجيوغرافية النفط العالمية

اذا اخذنا الموارد النفطية وقارناها باجمالى حجم استهلاك الطاقة على المستوى العالمى ، نجد ان النفط هو بالفعل شريان الحياة لاقتصاديات جميع الدول في العالم دون استثناء ، سواء كانت متقدمة او نامية .. الصين ، منذ تسعينات القرن العشرين ، واقتصادها يشهد نموا سريعا ، مما ترتب على ذلك زيادة حجم طلبها لمصادر الطاقة و المواد الخام ، و خاصة على النفط . و اليوم فان الامن النفطى الصينى يواجه مشاكل على الصعيدين ، الداخلي و الخارجي فى آن واحد . فعلى الصعيد الداخلي عدم قدرة المصادرالنفطية و الغازية المحلية الايفاء وتلبية حاجيات ومتطلبات التنمية الاقتصادية ، و ان نظام احتياطها النفطى الاستراتيجى لم يتشكل بعد . وعلى المستوى الخارجي ، فلا زالت الصين تعتمد الى درجة خطيرة على النفط المستورد لتغطية احتياجاتها ، مما يعود بمخاطر دفينة على امنها النفطى .. فمنذ عام 1993 ، وبعد أن اصبحت الصين مستوردا صافيا للنفط ، ارتفعت نسبة اعتمادها على الخارج الى33.8 بالمائة عام 2000 بعد ان كانت 7.6 بالمائة فقط عام 1995 . ووفقا للمعلومات المتاحة فان اجمالى حجم الاستهلاك الصينى من النفط يقدر بنحو 241 مليون طن عام 2002 منها 167 مليون طن من الانتاج المحلى و 7180 مليون طن تم استيراده من الخارج . ومن المتوقع ان يصل الطلب الصينى على النفط الى 450 مليون طن على اقل تقدير عام 2020 . وعلى الرغم من تباين التوقعات بين المصادر الصينية و الاجنبية حول كمية انتاج الصين للنفط وحجم الطلب عليه على مدار العشرين سنة القادمة ، الا انهما يتوقعان بالاجماع من ان انتاجها النفطى لا يمكن ان يسجل ارتفاعا كبيرا ما لم يكن هناك اكتشافات نفطية هامة وتقدم تكنولوجى خارق ، وان انتاجها النفطى يصعب عليه ان يتجاوز 200 مليون طن فى اوج مستوياته الانتاجية و ذلك قبل او بعد حلول عام 2010 ، و ان استهلاكها المستقبلى من النفط سوف يتصاعد باستمرار على الاساس الذى هى عليه اليوم ، و ان درجة اعتمادها على النفط المستورد سترتفع اكثر ، وان امنها الخاص بالامداد النفطى قد بات قضية ذات اهمية استراتيجية هامة بالنسبة الى مسيرة التنمية الاقتصادية و الاجتماعية الصينية .

ويتضح مما سبق ان اختلال معادلة الطلب و العرض للنفط الصينى قد اصبح حقيقة لا يرقى اليها جدال خلال القرن الحادي و العشرين . و قد اجمع الخبراء الصينيون والاجانب على انه في حال تجاوز حجم الواردات النفطية لاى بلد من بلدان العالم حدود 50 مليون طن ، فان اداؤه الاقتصادى المحلى سيتأثر سلبا بحركة الاسعار فى الاسواق الدولية ، وفي حال تجاوزه أل 100 مليون طن ، فعليه التفكير بضمان امن امداده النفطى عبر الاجراءات الدبلوماسية و الاقتصادية و العسكرية .. ان المشكلة الاساسية التى يعانى منها الامن النفطى الصينى تتمثل في التزايد الهائل على طلب النفط والاعتمادها المفرط على النفط المستورد .. و ستشتد ، خلال العشرين سنة القادمة ، حدة الصراع الدولى على الموارد النفطية كلما تغيرت معادلة العرض و الطلب للنفط فى الاسواق العالمية .. و اذا نظرنا الى النفط باعتباره مجرد مورد من الموارد الطبيعية فمن المتوقع ان معادلة العرض و الطلب للنفط خلال العشرين سنة القادمة ستبقى على نحو عام فى حالة توازن ، و ان الصراع الدولى حول الموارد النفطية سيتركز فى منطقة الشرق الاوسط – شمال افريقيا ، و آسيا الوسطى – روسيا اضافة الى منطقة بحر الصين الجنوبى . و ان الصين تتمتع بالتفوق الجيوغرافى الفريد من نوعه فيما بين الدول الكبرى فى العالم الراهن كونها تطل شرقا على المحيط الهادى بينما تتاخم اراضيها منطقة آسيا الوسطى الغنية بالنفط. و على الرغم من ان معادلة العرض والطلب للنفط ستبقى عموما متوازنة خلال العشرين سنة القادمة الا ان تزايد العوامل غير المحددة و التى تثير الخلافات او حتى النزاعات السياسية او العسكرية اوالدبلوماسية ستفرض تأثيرات مباشرة و خطيرة على بنية سوق النفط عالميا او اقليميا ، نتيجة تزايد تعقيد و تشابك الخلافات القائمة داخل الدول المستهلكة للنفط ، و بين الدول المستهلكة من جهة و الدول المالكة للموارد النفطية من جهة اخرى ، و داخل مجموعة الدول المالكة للموارد النفطية .

 

التفكير الاستراتيجى للامن النفطى الصينى
فى ظل الصورة الجديدة لجيوغرافية النفط العالمية

كان السيد ميكر - الخبير الامريكي المشهور فى شؤون الامن العالمى و المحلل المرموق فى الشؤون الدفاعية قد توقع فى مؤلفه الخاص بعنوان (( موارد الحرب : صورة جديدة للنزاعات العالمية )) ان نقص الموارد الطبيعية سيكون فى القرن الحادي و العشرين من اهم المصادر التي تؤدي الى النزاعات والصراعات بين دول العالم ، و ان الحروب العالمية والاقليمية المقبلة سوف لا تندلع بسبب النزاعات الايديولوجية و انما من اجل ضمان امدادات اثمن الموارد الطبيعية التى تتناقص وتشح يوما بعد يوم .. و يرى ميكر انه لا يوجد اي دولة في العالم ، مهما كانت ، فى وسعها ان تحيا بغنى عن النفط لما يتمتع به من مكانة المسيطر على الاقتصاديات العالمية .. وعلى هذا الاساس ، ستكون مسألة ضمان الامداد النفطي بشكل مستقر وطويل الامد احدى القضايا الاستراتيجية الخطيرة التى لا مفر لنا من مواجهتها فى القرن الحادي والعشرين ، وهذه مسألة تتعلق ايضا بقضية تؤثر على الوضع العام للمهام الثلاثة الكبرى : مهمة تحقيق بناء التحديث الصينى ؛ ومهمة توحيد الوطن ؛ ومهمة صيانة السلام العالمى و الاسهام فى التنمية العالمية المشتركة . لذا ينبغى علينا اتخاذ التدابير اللازمة والاجراءات الفعالة التالية :

اولا ، ينبغى تكثيف عمليات التنقيب والاستكشاف للموارد النفطية المحلية و رفع كفاءة استخدامها و الاسراع في وضع الترتيبات العملية والخاصة بالاحتياط النفطي .

 

ينبغى على الصين استمرار الوقوف بثبات على الموارد النفطية و الغازية المحلية ؛ و تعزيز ودفع عمليات تنمية واستخدام الحقول النفطية و الغازية فى المناطق الاخرى فى الوقت الذى تكثف فيه عمليات استكشاف وتنمية الحقول البترولية فى اليابسة ؛ والعمل على زيادة انتاج النفط الخام في ظل الابقاء على نسبة احتياط معقولة ؛ تعزيز وعي توفير الموارد الطبيعية والارتقاء به الى مستوى اعلى ، ورفع نسبة المساهمة للنفط المستهلك في كل عشرة الاف ايوان من اجمالي الناتج المحلي . اضافة الى ذلك ينبغى الاسراع في وضع خطط وبرامج للاحتياط النفطى الاستراتيجى ، وسن الاطر القانونية المعنية و استكمالها فى اقرب فرصة ممكنة ، والاسراع في وضع واصدار (( قانون النفط )) و (( قانون الاحتياط النفطى )) من اجل رفع القدرة الفعلية لتحمل البلاد اي من الهزات العنيفة التي تطرأ على سوق النفط العالمى .

ثانيا ، ضرورة اهتمام الصين باقامة علاقات تعاون استراتيجى مع الدول المنتجة للنفط ، وتطبيق استراتيجية " تخطى عتبة البلاد " بهمة و نشاط.

فطالما لا يمكن توفر كافة الموارد الطبيعية اللازمة للتنمية الاقتصادية في اي دولة من الدول فى العالم ، فليس هناك اي سبيل حيوى للاسهام فى تنمية اقتصاديات بلدان العالم القابلة للاستمرار سوى التجارة الدولية التى يتم عبرها تصدير ما يتوفر لديها واستيراد ما ينقصها من مواد خام وموارد طبيعية ، وتحقيق عملية تبادل و تحويل الموارد الطبيعية على المستوى العالمى .. وازاء موجة العولمة الاقتصادية يجب على الصين ان تستبدل استراتيجية " الاكتفاء الذاتى " التى كانت تتبناها فيما يتعلق بامن الموارد الطبيعية باستراتيجية جديدة تتمحور على الوقوف بثبات على ما هو موجود محليا مع تدويل الموارد الطبيعية ، والاستفادة المستفيضة من " النوعين من الموارد الطبيعية و السوقين " . و اذا القينا نظرة تفحصية على العالم كله ، نجد ان مصادر الطاقة المستقبلية للصين ستأتى من المناطق الاستراتيجية الثلاث التالية :

الاولى : منطقة الشرق الاوسط و شمال افريقيا و شمال غرب افريقيا التى تتمتع باغنى الموارد النفطية و الغازية فى العالم الراهن ، بحيث يقدر الاحتياطى النفطى المؤكد فيها بـ 110 مليار طن ، اي نسبة 70% من اجمالى الاحتياطى العالمى ، اضافة الى مزايا زهد تكلفة الاستخراج و تفوق الظروف الجيولوجية فيها ؛ فمنطقة الشرق الاوسط تعتبر المصدر التقليدى للواردات الصينية من النفط و الغاز ، كون دول المنطقة تربطها بالصين ، منذ امد طويل ، علاقات مستقرة فى تجارة الطاقة ، غير ان هذه المنطقة ظلت تتعرض اليوم للنزاعات الدينية والصراع الفلسطيني – الاسرائيلي و غيرها من العوامل غير المحددة مما يؤثر سلبا على استقرار الواردات الصينية من النفط و يعرضها لمخاطر كبيرة .

الثانية : منطقة آسيا الوسطى و روسيا وفيرة الموارد النفطية و الغازية ، خاصة منطقة آسيا الوسطى التى تم فيها اكتشاف كميات هائلة من النفط والغاز الطبيعي خلال السنوات القليلة الماضية ، حيث بلغ الاحتياطى المؤكد فيها 7800 مليون طن ، بينما بلغ الاحتياطى المؤكد من الغاز الطبيعى فيها 58000 مليار متر مكعب ( 5 ) ؛ اضف الى ذلك يسر نقل البترول من تلك المنطقة للصين المتاخمة لها ، ناهيك عن ان ثمة علاقات وثيقة تربط الصين بها .. ان ما يثير قلق الصين هو تواجد القوات الاجنبية فيها و ادراج بعض دولها فى عداد " المناطق ذات المصالح الاستراتيجية " ، وهذا ما يعقد الاوضاع ويلقي ظلالا ثقيلة على امكانية حصول الصين على مصادر مستقرة لوارداتها النفطية .

الثالثة : منطقة امريكا اللاتينية و البحر الكاريبى . تتمتع هذه المنطقة ايضا بالموارد النفطية الغنية و خصوصا فنزويلا فى امريكا الشمالية المالكة لاكبر الاحتياطات العالمية من النفط الثقيل . و لكن مع شديد الاسف انها بعيدة جغرافيا عن الصين ، اضافة الى عدم استقرار الاوضاع السياسية فى بعض الدول التى تربطها بالصين علاقات طيبة ، وهذا ما يقلق حقا ..

مما سبق ذكره ليس من الصعب الخروج بنتيجة مفادها ان الامن النفطى ليس بقضية اقتصادية بحتة بمقدار ما هي تشابك من القضايا السياسية الدولية التى يمكن ان تتعرض ، في اي وقت ، للعواصف و المخاطر .

وعلى الرغم من تعرض المناطق الثلاث المذكورة آنفا للمشاكل والمخاطر ، على هذا النحو او ذاك ، الا انها غنية جدا بالموارد النفطية و الغازية ، الامر الذي يحتم على الصين السعى بكل جهد الى الاستفادة القصوى من تلك الموارد لبناء نظام مستقل من الامدادات النفطية عالميا . هذا ، و يجب على الحكومة الصينية ان تكثف الحوارات السياسية و الدبلوماسية مع الدول المنتجة للنفط ، و تقيم معها علاقات استراتيجية ، و تطور التعاون المتعدد الاطراف معها من اجل تهيئة الظروف المؤاتية و البيئة الدولية الملائمة للقطاع النفطى المحلى للمشاركة في النشاطات الدولية ، و ان تؤيد بقوة المؤسسات المحلية في تطبيق استراتيجية " تخطى عتبة البلاد " . وفي المستقبل المنظور فان منطقة الشرق الاوسط ستظل مصدرا رئيسا للواردات الصينية من النفط فى القرن الحادي و العشرين ، لذلك ينبغي علينا ان نعزز باستمرار علاقات الصداقة التقليدية القائمة بيننا و بين دول المنطقة ، و ان نكثف حركة التبادل التجارى والاقتصادى معها ، و ان نرفع مستوى التجارة البينية معها ، و ان نسعى الى بناء مجموعة تكامل للمصالح المشتركة ؛ و اما بالنسبة لروسيا و منطقة آسيا الوسطى فعلينا تفعيل دور منظمة تعاون شنغهاى الى اقصى حد ممكن ، و تعزيز التعاون فى مجال الطاقة مع دول آسيا الوسطى وروسيا ، و بذل المساعى الحثيثة من اجل بناء مصدر نفطى مستقر فى ظل ما تتمتع به الصين من موقع جيوغرافي مؤات . و فى الوقت نفسه يجب على الصين ان تبادر في طرق الابواب ، و تعزز علاقاتها مع دول امريكا الجنوبية و افريقيا سعيا وراء تحقيق تنوع المصادر النفطية .

ثانيا - تفعيل آلية التعاون الاستراتيجى مع اهم الدول المستهلكة للنفط و منظمة الطاقة الدولية .

وعلى الرغم من ان اهم الدول المستهلكة للنفط تتنافس فيما بينها على الموارد النفطية ، الا ان هناك مصالح مشتركة تربطها مع بعضها فى مجال حماية استقرار السوق النفطي العالمى و المحفاظة على مستوى منخفض لاسعاره .. خاصة بعد انضمام الصين الى منظمة التجارة العالمية – تربطها بالدول الغربية الكبرى مصالح مشتركة وثيقة ، مما يترتب عليها العمل على تهدئة التباين والخلاف الخاص بالامن النفطي قدر المستطاع مع هذه الدول بما يساعد الصين بكل تأكيد في مجال تحقيق امن الامداد النفطى .

وجملة القول ان الصين ، عبر التعاون الدولي فى مجال امن الطاقة ، لن يكون فى وسعها تحسين بيئة امنها النفطى فحسب ، و انما تستطيع ايضا تعزيز قدرتها الذاتية و قابليتها فى التصدى للازمات النفطية ، و تحقيق اهداف حماية امنها الاقتصادى و امنها الوطنى في نهاية المطاف .

الملاحظات والمراجع :

المقصود من المناطق الواسعة للامداد النفطى و الغازى - الشرق الاوسط و شمال افريقيا و محيط بحر قزوين .

(( الجيوسياسه النفطية و الغازية فى القرن الجديد )) تأليف شيوى شياو جيه XIU XIAO JIE ، دار النشر لوثائق العلوم الاجتماعية ابريل عام 1998. صفحة 34

(( النفط و السياسات الاقتصادية الدولية )) تأليف وانغ ننغ تشيوان WANG NEN QUAN ، دار النشر لاحداث الساعة ، يناير عام 1993. صفحة 168

(( سياسة الطاقة للولايات المتحدة )) ، اقتباس من (( تقرير فريق دراسة سياسة الطاقة للولايات المتحدة )) ( ترجمة مركز المعلومات التابع لوزارة الموارد الطبيعية المحلية ) ، دار الاراضى الصينية للنشر ، ديسمبر عام 2001. صفحة 123

(( استراتيجية الطاقة الصينية المتوسطة و بعيدة المدى )) تأليف تشو فنغ تشى ZHOU FENG QI و تشو دا دى ZHUO DA DI ، دار التخطيط الصينية للنشر ، فبراير عام 1999 . صفحة 363

" القضايا الدولية " ، مجلة شهرية متخصصة تصدر عن المعهد الصيني للدراسات الدولية .. العدد الرابع لعام 2004 .. صفحة 67

  المركز العربي للمعلومات في الصين  

 
     

المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها - أتفاقية الأستخدام
كل الحقوق محفوظة ®2013 لموقع النفط والغاز الطبيعي العربي