موقع النفط والغاز الطبيعي العربي

 

 

 
  الصفحة الرئيسية > قسم الدراسات

الصناعة الاستخراجية العربية.. تحديات تفكيك الحزمة التكنولوجية وضرورات التوطين

نايف عبوش
ماجستير في العلوم الاقتصادية

 

تواجه الصناعة الاستخراجية عند التفكير بالتوطين مشكلة الاحتكار المتخصص للمجهزين والمصنعين،وموردي تكنولوجيا تلك الصناعة، وما يفرضه هذا الاحتكار من تقييدات، في عملية توريد حلقات بذاتها من الصناعات والتقنيات المستوردة، أو المواد المساعدة،وقطع الغيار اللازمة لإدامة العملية الإنتاجية.كما تواجه مشاكل فنية ميدانية تستجد مع زمن التشغيل، مما يقع خارج مواصفتها العقدية القياسية للمسلك التكنولوجي والمفاصل اللاحقة، وما يترتب على هذه الظاهرة ألمقلقة من  انعكاسات سلبية على كفاءة الأداء الصناعي،وما تلحقه  بالامتدادات الامامية والخلفية لهذه الصناعة من اضرار ،ناهيك عما تخلفه من تلويث للبيئة.

ومن هنا تبرز الحاجة الى تجاوز تلك المعوقات، وكسر الاحتكار بنجاح تام،من خلال اعتماد سياسة رشيدة للتعامل مع عملية نقل  تكنولوجيات هذه الصناعة الإستراتيجية،باعتبارها- بجانب مسالة الاختيار العقدي لها-عملية استيعاب بنيوية ،وقدرة فنية على تطويع ما يمكن تطويعه من حلقات مفاصلها، وليس مجرد سياقات واطر جامدة تقف عند حد التشغيل الالي لها، بموجب معايير المجهز القياسية، لاسيما وان عناصر هذه الصناعة الثلاثة:المادية(المكائن والمعدات والأصول)،والبشرية(الكوادر والمهارات والسلوكيات)، والتكنيكية(المعرفة والتأهيل)، مترابطة مع بعضها البعض، في سياق المسلك التكنولوجي المعتمد في هذه الصناعة.

ومن المعلوم ان وحدات المسلك التكنولوجي للصناعات الاستخراجية الموردة مصممة عقديا، لاستقبال مدخلات المعدن الخام المزمع تعدينه، بمحتوى شوائب لا يزيد عن حد معين. ومع تقدم الانتاج في المنجم، واستنزاف المزيد من ترسبات خامات المعدن في باطن ارض الحقل، ترتفع نسبة محتوى المعدن الخام من المواد الشائبة في الآبار، عن الحد المسوح به لوحدات العزل ان تستقبله مما يؤدي  الى التداعيات التالية:

1- ارتفاع تكاليف الانتاج، بسبب تدني مستوى أداء تلك الوحدات،   وبالتالي زيادة استهلاك المواد الكيمياوية الصناعية المضافة.

2- ارتفاع نسبة الفاقد في الاستخراج.

3- صعوبة السيطرة على نوعية المعدن المنتج بالمواصفات المطلوبة.

 4- تفاقم مشكلة التلوث البيئي الناتجة عن تقادم تكنيك العمليات الصناعية. 

5- زيادة أعمال الصيانة، وارتفاع تكاليفها بسبب التخرش في الأجهزة والمعدات وتقادمها.

 6- صعوبة استغلال الاحتياطي بالكامل، بسبب ارتفاع نسبة الشوائب في المعدن المنتج، مما يتطلب إيقاف بعض الابار عن الانتاج كليا تحت وطأة الاضطرار.

ونتيجة لكل هذه الأسباب وغيرها،فان عملية التوطين تصبح عندئذ حاجة ضرورية،ومن ثم فإنها ينبغي ان تسير  باتجاهين متوازيين:  

الاول : توطين حلقات المسلك التكنولوجي.

 حيث يضطر الكادر الوطني للبحث عن حلول بديلة باعتماد اسلوب تطويع الكثير من حلقات،ومفاصل المسلك التكنولوجي للصناعة الاستخراجية،في عملية تكييف مستمرة،تمضي بها نحو التوطين التدريجي، وذلك من خلال اعتماد الأساليب التالية:

* وضع بدائل لها بالتصنيع المحلي، في ورشات عمل الشركة، أو في معامل الشركات الشقيقة، أو ورشات القطاع الخاص المحلي، وبإبداع وطني يرتكز على الخبرات الغنية المتراكمة،فيما يتعلق بالكثير من قطع الغيار الاحتكارية الطابع.

* تعميم المواصفات ذات الطبيعة الاحتكارية، للكثير من معدات حلقات المسلك التكنولوجي، واستدراج عروض بمواصفات عامة لتجزئة حزمتها.

* استخدام المواد الأولية المحلية كمدخلات بديلة للمواد الأولية المستوردة،بعد إجراء البحوث والدراسات عليها،ومعالجتها بالإمكانات المتيسرة، سواء بجهد كادر هذه الصناعة المتخصص بمفرده، أو بالتعاون مع الجامعات والشركات الشقيقة ،والعمل على رفع نسبة الإحلال  إلى مستوى متقدم في الكثير من مفاصل المسلك التكنولوجي.

*ابتكار معالجات فنية لمشاكل المنجم الجوفية لإيقاف التسربات الجوفية،ومعالجة التكهفات لتقليل الضياعات.  

* العمل على ايجاد مسلك تكنولوجي متطور يتجاوز اختناقات المسلك القديم، قادر على استقبال  خام بنوعية متدنية، يعجز المسلك الحالي عن استقباله من خلال مواكبة اقسام البحث والتطوير للمبتكرات التكنولوجية المتطورة في السوق العالمية.  

 الاتجاه الثاني:استقطاب الكفاءات الوطنية الى هذه الصناعة.

من الواضح ان الصناعة العربية عموما،والاستخراجية منها كالنفط والكبريت ألمنجمي،والفوسفات بشكل خاص،تعاني من صعوبات تكوين الكفاءات العلمية، والأطر الفنية، كما أنها تعاني في الوقت ذاته، من إشكاليات تسربها، بهجرة الأدمغة إلى الخارج، سواء بسبب عدم توفر بيئة محلية حاضنة، أو بسبب الإغراءات، وسياسات الاصطياد الدولية،لإفراغ البلد من كوادره الخبيرة،لذلك ينبغي ان يظل  الشعور بالحاجة الحقيقية، لتكوين الكفاءات، والخبرات الوطنية،سواء لأغراض (الأداء المتخصص)، او للنهوض بمهام (ادارة نشاط التطوير والتوطين)،دافعا لاستقطاب الكوادر المؤهلة الأكاديمية منها والصناعية،بموجب استراتيجية استقطاب رصينة،مدعومة بنظام حوافز مادية ومعنوية متميزة، قياسا للمحفزات السائدة في القطاعات الصناعية الاخرى.وذلك للحد من ظاهرة الارتداد المعاكس للكادر،والحفاظ عليه من التسرب،من منطلق قناعة عملية تامة، بان التفريط بطاقة الكوادر الوطنية،التي ستتولى تنفيذ أنظمة ادارة  التوطين،وعدم زجها في هذا المعترك، يعرقل تقدم التوطين، خاصة وان ادارة تكنولوجيا الصناعة الاستخراجية كصناعة استرتيجية جديدة وناشئة في منطقة متخلفة صناعيا،هي أشبه(بعملية تكوين)جديدة،وبالتالي فان مجرد عملية استجلاب معدات ومكائن وخطوط إنتاجية متطورة، واستيراد تكنولوجيات متقدمة،لا يكفي لوحده، ما لم يتم توفير كادر وطني كفوء لإدارتها وتشغيلها، بأعلى نسب انتفاع ممكنة منها،ويتعامل مع أنشطة هذه الصناعة، بمكوناتها الثلاث (المعدات_ الكادر_التكنيك) على انها  ثقافة عمل، ومناخ صناعي شامل، تبدأ بالقائد الإداري، مرورا بالإدارات الوسطى، وانتهاء بالمنتسبين، حتى تترسخ كحس دائم،وتستقر كتقاليد عمل ثابتة،تسود في هذا الوسط، مما يحفز على الإبداع، والتوثب بفاعلية مهنية،،للنهوض الوطني بمتطلبات هذه الصناعة بشكل ينعكس ايجابيا في تجاوز ابرز إشكالات التكنولوجيا القديمة.  

وبذلك فان تطوير تكنيك الصناعة الاستخراجية،يحقق الكثير من المزايا، ويتجاوز الكثير من السلبيات، التي ترافق في العادة اسلوب  الانتاج العقدي القديم ومنها:

 *الاستغناء عن استخدام المواد التشغيلية المستوردة،وتوفير اكلافها بالعملة الصعبة.

*تخفيض مستويات التلوث بكافة أشكاله.

*تخفيض تكاليف الانتاج نتيجة استخدام تكنيك متطور،والاستغناءعن المواد التشغيلية، وقطع الغيارالتي تتطلبها الوحدة القديمة.

* خفض نسبة الفاقد. 

 واستنادا لما تقدم من معطيات، فأن القيام بذلك التطويع،والعمل على  انجاز تلك التحويرات، التي تجرى على تكنيك الإنتاج،سوف لن تؤدي الى تراجع في مستويات الأداء،ولا تقود بالضرورة الى حيود،وانحدار في مواصفات مخرجات تلك الصناعة،كما دأب موردوا تقنيات الصناعة الأستخراجية على تحذير زبائنهم منها لأغراض تتعلق باحتكارهم ملكية المعرفة،والحرص على الاستمرار بتوريد قطع الغيار بالأسعار الاحتكارية التي يفرضونها على المستورد.فالمخرجات من المنتجات الجديدة المعروضة للبيع في السوق بعد اجراء عملية التوطين،ستظل بمستوى المواصفات التعاقدية من الجودة،وبالتالي فأنها ستحظى  بثقة المستهلكين، وتنال رضاهم.

 

 
     

المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها - أتفاقية الأستخدام
كل الحقوق محفوظة ®2012 لموقع النفط والغاز الطبيعي العربي