موقع النفط والغاز الطبيعي العربي

 

 

 
  الصفحة الرئيسية > قسم الدراسات

 إدارة الجودة في الصناعات الأستخراجية  

نايف عبوش
ماجستير في العلوم الاقتصادية

 

لما كانت عملية استخراج المعادن ومنها النفط،والكبريت المنجمي، والصخورالفوسفاتية،وتنقيتها،وتخزينها،وتصديرها،عملية متكاملة،ومتداخلة الأنشطة، فقد تطلب هذا التكنيك الانتاجي المعقد، والمتداخل الانشطة ، ان تكون ادارة نشاط الجودة الشاملة،في صناعة استخراج تلك المعادن من حقولها الرسوبية مسؤولية جمعية، في كل حلقات مفاصل مسلك الانتاج، الفنية منها والخدمية . لذلك فان استلهام هذه الحقيقة العملية،ينبغي ان يظل الهاجس الاساسي لصناع القرار، في تطبيق سياسات أنظمة الجودة في هذه الصناعة الحيوية.ومع ان سياسات الجودة ذات مرجع قياسي دولي، وبالإمكان استيراده ونسخه بسهولة، حتى ان بعض الخبراء يرى ان التكنولوجيا كالجينات الوراثية، تحمل بصمات المجتمع الذي صممت فيه، فانه لابد من القول بان عملية خلق الكفاءات الوطنية للنهوض بهذه المهمة الجسيمة، تتطلب ان تتم بتصور تنموي يرتكز على رؤية وطنية، تضع في الحساب زج المتراكم من الخبرة الوطنية، ببعديه الأكاديمي والتصنيعي،في صلب اهتمامات المعنيين بنظم ادارة أنشطة هذه الصناعة الإستراتيجية.لذلك نجد انه بعد فترة من ولوج البلد المنتج هذا المجال الاستراتيجي المهم،وتعامله مع قضية الجودة والتكنولوجيا،وولوج التصنيع التعديني،فان الامر  يستلزم ان يأخذ المعنيون بهذه الصناعة بنظر الاعتبار،تعظيم أداء المدخلات،وعلى رأسها الكادر المعني بتنفيذ الجودة،وتعظيم الانتفاع من عملية الصنع الوطنية،تخطيطا وتنفيذا، وصولا الى منتج استخراجي بجودة متطابقة مع سياقات،ومعايير أنظمة الجودة العالمية.      

وقد تقتضي إستراتيجية التعامل مع ادارة الجودة الشاملة ، عند الدخول في ميدان التصنيع ألاستخراجي المعدني، تكوين المهارات، والكفاءات اللازمة، للتعامل مع تلك الصناعة وإدارتها،لردم فجوة التخلف بينها، وبين الصناعة في البلدان المتقدمة، المصدرة للعلم والتكنولوجيا.ومن هنا فان التصدي لهذه المهمة الإستراتيجية، يستوجب أن تؤخذ الأمور التالية بنظر الاعتبار:

* الابتعاد عن طريق التعقيب والاستنساخ الجامد،عند اعتماد إستراتيجية تطبيق سياقات عمل ادارة الجودة في الصناعة الاستخراجية الوطنية،وذلك لمجرد مواكبة الموضة،والتخلص من التقريع والإحراج،بالحصول على شهادة الجودة، بسبب تباين الظروف، ومستويات التطور، وفجوة التخلف القائمة بينهما.

*تكييف وتوطين ما يمكن من حلقات السياقات والمعايير المعتمدة، بمزاوجة أنظمة الجودة العالمية بما يتلاءم مع الواقع الوطني،وعدم الاقتصار على مجرد التلقي، والنقل الآلي فقط.

* استيعاب معايير  الجودة بأفق مفتوح أولا، بقصد رفع معدل الانتفاع من المدخلات، وتقليل الضياع ثانيا،باعتبار أنها في حقيقتها منعكسات استثمار، للرأسمال الوطني بشكل مكونات مادية ومعرفية، لا يجوز التفريط بها.

* الانتباه إلى إعداد الكادر الوطني المؤهل الذي سيتولى تنفيذ هذه المهمة الكبيرة،بالتزامن مع قرار المباشرة في عملية اعتماد معايير الجودة الشاملة، وولوج عملية التصنيع بالممارسة الجيدة.

* تقبل فكرة النفقات الضائعة في تكوين الخبرة،عند إعداد الكفاءات والأطر الوطنية بالقنوات المختلفة، ولاسيما تلك التي تتطلب الحاجة إعدادها بأولوية خاصة، لإدارة تأهيل المشروعات المهمة، عند الدخول في بعض الصناعات الإستراتيجية، ذات الأمد البعيد في تفريخ العائد،كصناعة تعدين الكبريت المنجمي،والفوسفات، دون التهيب من تحديات الالتزام الصارم بالمعايير الدولية( الاٍيزو،التصنيع الجيد بالممارسة..الخ)التي تفترض ان يكون الأداء الاقتصادي للمشروعات، قد استغرق كل الفرص المتاحة، ولا توجد فجوة يتطلب الأمر ردمها، بالتضحية المادية اللازمة لإعداد الأطر المعنية بالتنفيذ.

ولأن ادارة الجودة الشاملة،في هذه الصناعة، قد تتزامن مع التنمية الصناعية المستدامة للبلد المنتج، والتي تستهدف النهوض بالواقع الصناعي، وجودة المنتج الوطني ، من خلال الارتقاء بالموجود من واقع الحال، إلى واقع حال مستهدف أفضل،فإن ادارة الجودة عندئذ ينبغي ان تتم بأسلوب القفزات الضفدعية،لابطريقة التعقيب البطيء للدول التي سبقتنا في هذا المجال،وذلك بتجاوز سلبيات التعقيب لردم فجوة التخلف، باختزال الزمن، مما يستلزم اعتماد مبدأ المباشرة بعملية تكوين المهارات الفنية، والكفاءات العلمية، في كل اختصاصات النشاط الصناعي الخاص بهذه الصناعة، بشكل متوازي مع لحظة المباشرة باعتماد معايير الجودة.وذلك لغرض التمكن،من  توظيف الكفاءات، والكوادر الوطنية اللازمة، لإدارة عملية الجودة في هذه الصناعة الإستراتيجية، بكافة مساراتها الأكاديمية، والتكنولوجية، والاجتماعية، والاقتصادية، بأعلى مستوى ممكن، من الكفاءة والاقتدار.

وبذلك تتمكن  هذه الصناعة من تكوين تراكم خبرة متكامل، من الكفاءات الأكاديمية والأطر الصناعية، وباختصاصات مختلفة،بوقت قياسي، يتيح لها تشكيل قاعدة صناعية كفوءة، تساهم بشكل فعال في إطلاق عملية النهوض الصناعي في مجال التعدين، والارتقاء بجودة الأداء في البلد المنتج، بقدرات وطاقات وطنية،  مستوعبة  لكافة إجراءات السياقات، وتوصيف النشاط، واختزال كل الحلقات الزائدة التي تهدر الموارد، وتسئ استخدام تكنيك الانتاج من خلال أداء متواضع خارج معايير الجودة، وبما يؤدي الى استخراج معادن خارج المواصفات المعيارية المقبولة في السوق. 

 لذلك فان  الاهتمام بادرة الجودة سيوفر خلفية ساندة، لزج كادر مؤهل قادر على تشغيل مدخلات العملية الانتاجية، بأداء معرفي، وصناعي عالي، يقارب في أحيان كثيرة، الطاقات النظرية لمرافق الصناعة الاستخراجية، من دون إخلال بجودة المعدن المنتج، متجاوزا بذلك أي هدر أو ضياع محتمل، عند تطبيق سياسة الجودة الشاملة في هذا النشاط المنجمي. 

على أن عملية صنع الأطر والكفاءات، التي تتولى القيام بتنفيذ مهمة تطبيق سياسة الجودة،ينبغي ان لا تغفل مستوى التراكم العملي  الصناعي المتحقق،وتوظيفه  بشكل متوازي مع مراحل تقدم الصناعة ألمنجمية من حقل الاستخراج، بحيث تفلح باعتماد ورصد تسارعات وتيرة تلك التراكمات، وتعمل على حفز الإبداع لدى الكادرعندما يصل إلى هذه المرحلة،ليس فقط على مستوى استيعاب وتنفيذ آلية الجودة والتشغيل،بل والسعي الحثيث لتجاوز ذلك الحد، إلى مجال التوثيق والتأصيل.وذلك بتقرير إجراءات العمل بالمحصلة،و بموثوقية عالية،واعتمادها كمكونات مكملة، للمعايير القياسية،لاسيما بعد ان ثبتت التجربة المتراكمة صواب وفاعلية أداء هذا النهج.      

وهنا لا بد من الإشارة، إلى أن فلسفة الترابط الأمامي والخلفي، بين الجامعات، ومراكز البحث العلمي، وقطاعات الصناعة الاستخراجية،يجب ان تكون احد المعايير الحاضرة ، في مجال  تبني موضوعة الجودة، باعتبارها نشاط الفاعلية الكلي في كل القطاعات، وبما يساعد في توليد بيئة (علمية_ صناعية)، متكاملة الحلقات، ومترابطة الوفورات، بحيث يتوارى الضياع في استخدام الموارد والاستثمارات إلى درجة كبيرة، في الكثير من  الصناعات المتشابكة مع بعضها، وخاصة تلك التي لا تقبل منها فكرة النفقات الضائعة بالمقاييس الاقتصادية المجردة.

وفي إطار سياسة تكوين كفاءات الجودة، القيادية منها والتنفيذية، التي يتم اعتمادها في هذه الصناعة، فانه لابد من الالتفات إلى مبدأ ربط الجامعة بالمجتمع،والاستفادة من بيوت الخبرة المحلية المعنية بهذا الأمر، حيث يتطلب الأمر،عند ذاك، أن تعتمد سياسة التعشيق بين الجامعة، ومراكزها الاستشارية،وبين القطاع الصناعي الاستخراجي، كامتدادات معرفة أمامية، لرفد الصناعة الوطنية، بالمعطيات، والمؤشرات العلمية والتكنولوجية، والمساهمة بطرح الحلول، لمشاكل التصنيع من خلال تطبيق أنظمة الجودة، في إطار عقدي تكاملي بين تلك الأطراف، لإفراز أطر ونخب، من الخبرات الوطنية، التي تحتاجها تلك المرافق،مما سيؤدي الى نمو بيئة أكاديمية مستنبتة في حاضنة قاعدة صناعية، تزحر بكادر مؤهل محترف، وكفاءات فنية مقتدرة،تستطيع أن تتبنى أساليب وأنظمة الجودة بجدارة، تمكنها من ان تقتحم سوق العمل، والصمود بوجه تحديات المنافسة،من خلال جودة  السلع التي تطرحها للتداول في السوق، بنوعية تحكي مزاياها عن نفسها،من دون استمرارها بالاتكاء على دعم وحماية من صناع القرار،وذلك من خلال ما يتوقع ان تحققه الصناعة الاستخراجية عند ذاك من نجاح،في اعتماد سياسة الجودة،بمكوناتها الثلاث(المعدات، الكادر ،التكنيك) كثقافة عمل، تشيع حسا صناعيا شاملا في تلك البيئة، وصولا الى مخرجات معدنية بمستوى عالي من الجودة، وبأداء فاعل، يضمن لها ان تترسخ كحس دائم،وتستقر كتقاليد عمل ثابتة،لترشيد الاستخدام،وتجاوز حالة التخبط والمزاجية في الأداء المعهودة في بلدان العالم الثالث التي قد تلج مجال الصناعة الاستخراجية،وهي ما تزال في بدايات مشوارها الصناعي.

 
     

المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها - أتفاقية الأستخدام
كل الحقوق محفوظة ®2012 لموقع النفط والغاز الطبيعي العربي