موقع النفط والغاز الطبيعي العربي

 

 

 
  الصفحة الرئيسية > قسم الدراسات

 الكفاءات النفطية العربية.. تحديات التسرب.. وضرورات الاستقطاب  

نايف عبوش
ماجستير في العلوم الاقتصادية

 

 لا تزال مشكلة تكوين الكفاءات العربية،وظاهرة تسربها المعاكس،  وتحديات استقطابها إلى البيئة الأم،وفي غياب استراتيجية عربية موحدة واضحة المعالم، لاستيعاب هذه التناقضات المتداخلة،تحظى باهتمام صناع القرار العربي المعنيين بهذا الشأن،خاصة وان الحاجة إلى أصحاب الكفاءات والمهارات،في ادرة عملية التنمية الوطنية،لرفد مختلف أنشطة قطاعات الاقتصاد القومي،بالقادة والأطر التنفيذية تبقى قائمة بإلحاح، وتطرح نفسها للنقاش كتحدي قائم، بتصور أنها ستكون مراكز توطن لاستقطاب تلك الكفاءات والمهارات الوطنية،وصنع مخرجات مضافة منها.وبذلك تحقق هدفا مزدوجا،هو تكوين اطر جديدة،والحفاظ على الكفاءات الجاهزة منها في نفس الوقت.

وابتداء لا بد من القول، بأن عملية خلق الكفاءات الوطنية، ينبغي لها أن تؤطر بتصور تنموي، يرتكز على تصور سياسي، برؤية وطنية قومية شاملة، تضع في الحساب، البعد المهني، والبعد التنموي معا، في صلب اهتمامات صانع القرار السياسي العربي،عندما يلج هذا المجال الاستراتيجي المهم، لعملية التنمية. وبالتالي فإن مقاربة التعامل مع العلم والتكنولوجيا،تتطلب أن يتم الشروع بعملية تكوين الكفاءات والأطر الوطنية، بالتوازي مع ولوج عملية التصنيع، بحيث يظل هدف استقطاب الكفاءات وتوطينها، والحد من تسربها، هاجسا تنمويا مركزيا، في سلسلة أوليات صناع القرار.

ومن هنا، فلابد للجهة التي ستأخذ على عاتقها، التصدي لهذه المهمة الاستراتيجية، أن تأخذ الأمور التالية، بنظر الاعتبار:

• تخطيط عملية إعداد الكادر الوطني من الكفاءات المؤهلة، برؤية مركزية، بالتزامن مع ولوج عملية التصنيع في البلدان العربية ، والابتعاد عن المحاكاة الجامدة للغير، بسبب فجوة التخلف، بتباين الظروف، وتفاوت مستويات التطور، لتفادي تراكم موجبات التسرب، الذي يترتب على تدفق غير مدروس للكفاءات، مما يعقد إيجاد الحلول لها بمرور الوقت.

•تقبل فكرة النفقات الضائعة ابتداء، عند ولوج الصناعات الاستراتيجية، ذات الأمد البعيد نسبيا في تفريخ العائد، وخاصة في بلدان الفائض النفطي، بما يفسح المجال لخلق حواضن جديدة لاستقطاب مخرجات خطة تكوين الكفاءات،والحد من تسربها.

وتستوجب التنمية الصناعية اعتماد مبدأ المباشرة بعملية تكوين المهارات الفنية، والكفاءات العلمية، في كل الاختصاصات، بشكل متوازي، مع لحظة المباشرة بالتصنيع الوطني، لغرض ضمان ضخ الكفاءات، والكوادر الوطنية المهنية اللازمة، لإدارة عملية التنمية، بمختلف مساراتها بأفضل مستوى ممكن من الاستيعاب المتوازن للكفاءات العلمية والمهارات الفنية في الأنشطة المختلفة،وعلى رأسها الصناعة النفطية والتعدينية، باعتبارها صناعات منجمية مكثفة للعمالة والمكننة في نفس الوقت،والانتباه الحاذق الى سياسات الشركات النفطية الاجنبية التي تحرص دوما على تكامل حلقاتها الفنية،وعدم سماحها بتجزئة حزمتها التكنولوجية،وبذلك يتم تلافي استمرار تدفق فائض غير مبرر من تلك المهارات، يكون سببا للتسرب يلوح به شبح البطالة المحتملة عندئذ.

ولا بد من الإشارة إلى أن تفعيل آليات الترابط الأمامي والخلفي، بين مراكز صنع الكفاءات، وحواضن الاستيعاب الطبيعية لها،من القطاعات الصناعية،والنفطية، ومرافق الاقتصاد القومي الأخرى، في إطار عملية تنمية شاملة، ينبغي أن تكون أحد المعايير الصارمة، في مجال تقييم سياسات تكوين المهارات والكفاءات العربية، بما يساعد، في توليد بيئة (علمية- صناعية-نفطية) عربية، متكاملة الحلقات، ومترابطة الوفورات، لتفادي عشوائية التكوين المهني، التي تضخ كفاءات فائضة عن الحاجة، تساهم في مفاقمة عملية التسرب، وتضع العقبات في طريق عملية الاستقطاب الوطني المتوخاة.لذلك فإن التركيز على اعتماد سياسة التعشيق، بين الجامعة، ومراكزها الاستشارية، وبين القطاع الصناعي والنفطي، كامتدادات معرفة أمامية، لرفد الصناعة الوطنية،بالكوادر والأطر المؤهلة، ناهيك عن المساهمة بطرح الحلول، لمشاكل التصنيع، وفي إطار عقدي مؤسساتي تكاملي، يتجاوز سلبيات التعاقدات الفردية، يمهد لاستنبات بيئة عمل عربية مناسبة، ومضمونة الفرصة الاستيعابية، تزيد من شحنات استقطاب الأطر والنخب الوطنية التي تحتاجها تلك المرافق،وتعززعملية توطين الصناعة النفطية المليئة بالألغاز التكنولوجية، التي دأبت الشركات الاجنبية على احتكارها، والاستئثار بها، وحجبها عن الكوادر النفطية الوطنية.

وإذا كانت البلدان العربية، تعاني من صعوبات تكوين الكفاءات المهنية، والأطر الفنية، كما أنها تعاني في الوقت ذاته، من إشكالات تسربها، سواء بسبب عدم توفر بيئة محلية ملائمة حاضنة لها، أو بسبب الإغراءات، وسياسات الاصطياد، بالإضافة إلى تداعيات الإحلال بالعمالة الوافدة المنافسة، فإن المطلوب الآن، من صناع القرار  في البلدان العربية، وفي إطار تنامي الشعورالملح بالحاجة الحقيقية لاستقطاب الكفاءات، والخبرات الوطنية، بمختلف توصيفاتها،باعتبارها موارد وطنية مهمة يمثل تسربها هدرا في الاستخدام،أن تعتمد استراتيجية عمل عربية موحدة، واضحة المعالم، لاستقطاب تلك الكفاءات دون تأخير، وأن تفتح الأبواب أمامها، على مصراعيها، باعتبارها رأسمالا عربيا، وثروة قومية، بغض النظر عن أي اعتبارات سياسية. وبالتالي فإنه يجب العمل على احتضانها وإعطائها الأولوية في التعاقدات، وفق آليات استيعاب ملائمة، موازية بمزاياها المادية، والاعتبارية، لبيئة الحواضن الأجنبية، إن لم تفقها، حتى لو تم ذلك، خارج سياقات الملاك، بالاستفادة من خبرتهم، كاستشاريين أو باحثين، إذا استعصى أمر استخدامهم كتنفيذيين، لأي سبب كان، للمحافظة على هذه الطاقات من التسرب، والحد من نزيفها المستمر إلى خارج بيئة الصناعة الوطنية.  

إن العمل على تطوير استراتيجية فعالة لاحتضان الكفاءات والكوادر العربية،والمبادرة لاستقطابها،في الجامعات، ومراكز البحوث، والقطاعات الصناعية والنفطية، وغيرها من الصروح المهنية،هو مسؤولية قومية، تهم العرب جميعا. وبعكس ذلك، فإن استمرار نزيف هذه الطاقات، وإزاحتها بالمنافس الأجنبي، بمختلف وسائل الإحلال، يعني تفريطا قوميا بالكفاءات العربية، وفسح المجال، أمام ظاهرة النقل المعاكس للتكنولوجيا المزمنة، للاستفحال، باستمرار هجرة المهارات العربية إلى الخارج، تحت وطأة صعوبات الظرف المحلي، وضغط الحاجة، إلى فرصة العمل، بسبب عدم توفر بيئة وطنية ملائمة حاضنة لها، مما يؤدي بمرور الزمن، إلى تفريغ الوطن العربي، من طاقة أبنائه، الذين هم، بكل المقاييس،أحرص من الغير على خدمته،من خلال اختصاصاتهم النوعية، وخبراتهم المتراكمة.

 

 
     

المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها - أتفاقية الأستخدام
كل الحقوق محفوظة ®2012 لموقع النفط والغاز الطبيعي العربي