موقع النفط والغاز الطبيعي العربي

 

 

 
    الصفحة الرئيسية > قسم الدراسات      
 

  النفط للأجيال القادمة .. ماذا لو انهار اقتصاد الصين؟
   د. أنس الحجي

 
 

 تشير البيانات التاريخية إلى أن نمو الطلب على الطاقة في أي دولة يكون عالياً في البداية، وهي مرحلة التنمية الاقتصادية التي يصاحبها بناء البنية التحتية ونمو القطاع الصناعي وارتفاع كبير ومستمر في الدخول. لكن بعد مرور عدة عقود من الزمن وتحول هذه الدولة إلى دولة متقدمة، تبدأ معدلات نمو الطلب على الطاقة بالانخفاض. ومتى وصلت هذه الدول إلى مرحلة الرفاهية، تنخفض هذه المعدلات، وقد تصبح سالبة بسبب التقدم العلمي وتحسن الكفاءة في الاستخدام. هذه البيانات تشير إلى أن الدول الصناعية وصلت إلى مرحلة الرفاهية، الأمر الذي يفسر انخفاض معدلات الطلب بشكل كبير مقارنة بالفترات الماضية. وبما أن النفط جزء من الطاقة، فإن الأمر نفسه ينطبق عليه، إلا أن الأمر أسوأ بالنسبة للنفط بسبب العداء المستفحل له.

أما الصين والهند وبقية الدول النامية فإنها ما زالت في المرحلة الأولى من منحنى الطاقة, التي تتميز بمعدلات نمو عالية وتحتاج إلى سنوات طويلة من نمو الطلب على الطاقة للوصول إلى المستويات التي عليها أوروبا واليابان والولايات المتحدة حالياً.

الذين يقولون إن الطلب على النفط سيستمر في النمو رغم ارتفاع الأسعار يرون أن انخفاض الطلب على النفط في الدول الصناعية لن يؤثر كثيرا في الطلب العالمي على النفط, لأن النمو الكبير في الطلب على النفط في الصين وغيرها سيعوض انخفاض معدلات النمو في الطلب على النفط في أوروبا وبقية دول ''الرفاه''، لهذا فهم يطالبون بتخفيض الإنتاج وإبقاء النفط للأجيال القادمة. لكن هذا الرأي ـــ رغم وجاهته ـــ غير صحيح للأسباب التالية:

1 ـــ الطلب في الدول الصناعية ما زال عماد صناعة النفط العالمية: رغم الاتفاق على أن نمو الطلب على النفط في الدول الصناعية أصبح بطيئا، إلا أنه يجب أن نتذكر أن طلب هذه الدول ما زال عماد صناعة النفط العالمية، وأن طلب هذه الدول ما زال يمثل أكثر من 70 في المائة من الطلب العالمي على النفط. في الوقت الذي تتحمل فيه الصين والهند وغيرهما أسعارا عالية للنفط، فإن عماد صناعة النفط العالمية ـــ وهو الطلب في الدول المتقدمة ـــ سينهار، وستنهار معه أسعار النفط. لذلك فإن الصين والهند مهمتان لنمو الطلب، لكن الدول الصناعية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة واليابان مهمة لاستمرار الطلب نفسه.

2 ـــ الاستقرار السياسي على المدى الطويل مهم لنمو الطلب على الطاقة: لو نظرنا مرة أخرى إلى منحنى الطلب على الطاقة في الدول الصناعية المختلفة لوجدناه في أغلبها اقترب من ذروته، وأنه كانت هناك استمرارية في الطلب خلال العقود الماضية، خاصة في الولايات المتحدة، بسبب الاستقرار السياسي في هذه الدول, فأوروبا الغربية لم تشهد أي تغيير في خريطتها السياسية منذ الحرب العالمية الثانية، والولايات المتحدة لم تشهد تغيرا سياسيا منذ استقلالها. هل يمكن للنظام الصيني أن يبقى كما هو عليه الآن خلال العقود المقبلة؟ الصين دولة تحكمها حكومة شيوعية تمارس ما يسمى نظام ''رأسمالية الدولة''، وكلا النظامين، يحملان بذور انهيارهما على المدى الطويل, لذا فإن استمرارية الطلب على النفط وفقا لمنحنى الطاقة ربما لا تتحقق بسبب عدم الاستقرار السياسي.

3 ـــ جزء من الطلب على النفط في الصين والهند طلب محوّل: النمو الكبير في الطلب على النفط الذي تشهده الصين والهند طلب محول بسبب هجرة كثير من المصانع والشركات من الدول الصناعية إلى هاتين الدولتين، والعمالة والدخول التي وفرتها هذه المصانع. هذا يعني أن جزءا من نمو الطلب على النفط في السنوات الماضية سيتوقف قريبا متى توقفت الشركات عن الانتقال من الغرب واليابان إلى الصين، وقد ينخفض هذا النمو كثيرا إذا بدأت هذه الشركات بالبحث عن بلاد أرخص فيها جامعات ومراكز علمية مميزة. وكما انتقلت هذه الشركات من الدول الصناعية إلى آسيا، سيأتي اليوم الذي ستنتقل فيه شركات المستقبل من الصين إلى دول أخرى ناشئة.

4 ـــ جزء من الطلب على النفط في الصين مرتبط بنقص الكهرباء: رغم انخفاض حدة المشكلة عما كانت عليه في السابق إلا أن هناك علاقة وطيدة بين نمو الطلب على النفط والعجز في إمدادات الكهرباء في الصين، سواء كان بسبب الطلب المتزايد على الكهرباء، أو بسبب نقص القدرة على توليدها من الطاقة الكهرمائية بسبب الجفاف. هذا العجز في الكهرباء أجبر المصانع والشركات على استخدام مولدات ضخمة خاصة تعمل على الديزل حتى تفي هذه المصانع بالتزامها مع عملائها حول العالم. وتحاول الحكومة جاهدة التخفيف من حدة العجز عن طريق بناء محطات نووية لتوليد الكهرباء. في هذه الحالة فإن الطاقة النووية تحل محل النفط، وسيختفي هذا النوع من الطلب تماما يوما ما.

5 ـــ ماذا سيحدث للاقتصاد الصيني إذا انفجرت فقاعة العقار الصينية .. هل سينهار؟ وإذا انهار الاقتصاد الصيني، ماذا سيحدث للنظام السياسي؟ وإذا بقيت الصين على حالها، ماذا سيحدث للطلب على النفط؟ تشير التحليلات الإحصائية إلى أن انهيار الاقتصاد الصيني وتبعاته سيخفف الطلب العالمي على النفط بمقدار أربعة ملايين برميل يوميا، ويرفع الطاقة الإنتاجية الفائضة في دول ''أوبك'' إلى فوق ثمانية ملايين برميل يوميا. أما أثر ذلك في الأسعار فإنه سيعتمد على تصرفات دول ''أوبك''. حرب أسعار بين هذه الدول ستخفض أسعار النفط إلى ما دون 20 دولارا للبرميل. المشكلة أنه حتى لو تعاونت دول ''أوبك'' فإن الأسعار ستكون في حدود 40 دولارا للبرميل، وهو رقم أقل من الأرقام التي بنيت عليها موازنات هذه الدول. ولا شك أن الطلب العالمي على النفط سيعاود الصعود، لكن استرداد أربعة ملايين برميل يوميا في حالة انهيار الاقتصاد الصيني يحتاج إلى ثلاث سنوات على الأقل.

خلاصة الأمر، المطالبة بتخفيض الإنتاج للحفاظ عليه للأجيال القادمة ورفع أسعاره وتجاهل أوضاع سوق النفط العالمية بحجة أن الطلب العالمي لن يتأثر بارتفاع الأسعار فكرة غير صحيحة، وكل ما يفعله الذين يرغبون في تخفيض الإنتاج بحجة الاحتفاظ به للأجيال القادمة هو وضع رقبة الأجيال القادمة تحت السيف الصيني. وكما ذكر سابقا، فإن إطالة عمر النفط تتطلب إطالة عمر الطلب عليه، وهذا يتطلب سعراً أمثل للنفط يعظم منفعة الأجيال الحالية والأجيال القادمة. هذا السعر الأمثل يتطلب وجود طاقة إنتاجية فائضة، ويتطلب زيادة الإنتاج إذا اقتضى الأمر ذلك، حتى لو لم تكن هناك حاجة مادية إلى إيرادات هذا الإنتاج.

 

نقلاً عن صحيفة الاقتصادية - موقع الأمارات الأقتصادي
 

 
 

      اطبع هذه الصفحة    
 

 

المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها - أتفاقية الأستخدام
كل الحقوق محفوظة ®2015 لموقع النفط والغاز الطبيعي العربي