موقع النفط والغاز الطبيعي العربي

 

 

 
    الصفحة الرئيسية > قسم الدراسات      
 

النفط ... بين العرض والطلب

 
 

منذ ان وجد النفط واضحى سلعة استراتيجية أساسية انكب اهتمام الدول الصناعية الكبرى على مواجهة تقلبات أسعاره وعلى تأمين مصادره وطرق إمداده، لقد قامت كل الاستراتيجيات الأمريكية والأطلسية على هذا الأمر الذي انضم اليه اليوم هاجس قدرة العرض على تغطية الحاجات المتنامية من الطاقة في وقت السلم ناهيك عن الأزمات والحروب . ولإعطاء مثال عن هذه الحاجات فقد كانت اقل من مليون برميل من النفط يوميا في بداية القرن العشرين لتصل الى أكثر من خمس وثمانين مليونا في الوقت الراهن أي أنها تضاعفت خمس وثمانين مرة في قرن واحد وهي مستمرة في هذا المنحى .فمؤخرا بعد تزايد معدله الوسطي 54،1 في المائة سنويا في الفترة مابين 1992 و2002 ارتفع الطلب العالمي السنوي على النفط بنسبة 4،9 في المائة بين 2003 و2007 وقفز قفزة كبيرة في الصين نسبتها 5،48 في المائة .
واذا استمر النمو في الهند مثلا وبعض الاقتصاديات الصاعدة على حاله فهذا الطلب مرشح للمزيد من الارتفاع . وتشير التقديرات المنشورة في مجال الطلب العالمي على النفط تقول انه سوف يرتفع الى 105 مليون برميل في اليوم في غضون العام 2020 والى 118 مليون برميل/اليوم في العام 2030 لكن من الجهة المقابلة لايتوقع احد ان يتمكن العرض من تخطي عتبة المائة مليون برميل في اليوم على أفضل تقدير .
هذا التقدم السريع للطلب كان من الضرورة ان يوازيه نمو للإنتاج، لكن معظم البلدان المصدرة للنفط وصلت الى أقصى قدراتها الإنتاجية كما وصلت معظم المصافي الى ذروة قدراتها على العمل، الامر الذي ساهم مباشرة في دفع الأسعار الى الأعلى، فقد تضاعف سعر برميل الخام أربع مرات في خلال السنين الخمسة المنصرمة اذ وصل الى مائة وخمسين دولارا للبرميل الواحد في يوليو/تموز 2008 ليعود الى أربعين دولارا في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه (ثم عاد الى الارتفاع التدريجي ليتخطى الثمانين دولارا في يومنا هذا) الأمر الذي يمثل عبئاً ثقيلاً على اقتصاديات بلدان عديدة ويعيد فتح النقاش العالمي حول البدائل الممكنة من الطاقة الاحفورية . والمشكلة انه رغم كل الجهود العلمية المدعومة بقرارات سياسية بهدف التقليل من الاعتماد على الطاقة الاحفورية وبرغم كل الاكتشافات في هذا المضمار فلا يبدو ان ثمة طاقة بديلة خضراء أو بيولوجية او غيرها ستكون كافية لتغطية الاحتياجات الإنسانية في مدى العقود المنظورة .
واذ تنشر وكالة الطاقة الدولية تقديرات مطمئنة حول توازنات محتملة بين العرض والطلب حتى نهاية الثلث الاول من العام الجاري،فان تجربة الركود الاقتصادي العالمي كشفت عن استمرار الطلب على النفط على حاله تقريباً . ثمة سببان يدفعان للتفكير ان العرض لن يسير مع الطلب: الغموض الذي يلف الاحتياطات “المؤكدة” وندرة الاكتشافات الجديدة .
وبسبب انخفاض انتاجها وتزايد طلبها الداخلي على الطاقة فان بلدانا عديدة كانت في الامس القريب تحسب في عداد البلدان المصدرة للبترول أضحت اليوم من المستوردين له (اندونيسيا ومصر على سبيل المثال) أو هي بصدد ان تغدو كذلك (الجابون وتونس وعمان وسوريا على سبيل المثال) . وفي المكسيك برهنت دراسات اعدها مختصون في العام 2007 ان تراجعا سريعا غير متوقع يمكن ان يحدث في مجال انتاج النفط لاسيما في آبار كانتاريل التي تمثل حوالي الستين في المائة من مجموع الثروة النفطية المكسيكية المكتشفة . وفي بحر الشمال فإن الوكالة الدولية للطاقة تتوقع استمرار تراجع الانتاج من 6،6 مليون برميل/اليوم في العام 2002 الى 8،4 مليون برميل/اليوم في العام 2010 والى أقل من 2،2 مليون برميل/اليوم في غضون العام 2030 .
وهكذا فان شبح الوصول الى ذروة الانتاج النفطي العالمي يبدو غير بعيد في الافق .وفي السنوات المقبلة يمكن لأي قصور مادي في مجال توفير الطاقة ولسبب ما من الاسباب (التقنية، الطبيعية، الحروب . . .) ان ينتج “صدمة” اسعار مريعة ذات آثار غير متوقعة على الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية برمتها بل وكل طريقة عيش البشرية . هذا بالطبع اذا لم تؤد الاستثمارات الهائلة والجهود الجبارة القائمة في مجالات التنقيب والحفر والتفتيش الى اكتشافات جديدة في مجال الطاقة الاحفورية وغيرها . وتتفاوت التوقعات المتعلقة بال”ذروة النفطية” بين العامين 2015 كحد أدنى و2030 كحد اقصى . ما يعني ان عصر النفط الرخيص السهل والمتدفق قد يولي الى غير رجعة في المدى المنظور، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على الاقتصاد العالمي والعلاقات السلمية بين الدول ولاسيما على أمن البلدان المنتجة له .

 نقلاً عن صحيفة الخليج

 
 

      اطبع هذه الصفحة    
 

 

المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها - أتفاقية الأستخدام
كل الحقوق محفوظة ®2015 لموقع النفط والغاز الطبيعي العربي