موقع النفط والغاز الطبيعي العربي

 

 

 
    الصفحة الرئيسية > قسم الدراسات      
 

الغاز الطبيعي العراقي .. هدر أم أستغلال؟

    محمد علي زيني  
 

قامت وزارة النفط العراقية بالتفاوض مع شركة النفط العالمية شل (Shell) حول استغلال ما يقارب 700 مليون قدم مكعب قياسي (مقمق) باليوم من الغاز المصاحب يُنتج في محافظة البصرة ثم يُهدر حرقاً. وقد انتهت تلك المفاوضات بتوقيع اتفاق مبادئ ملزم مع تلك الشركة صودق عليه من قبل مجلس الوزراء. ولقد مهّد ذلك الاتفاق الطريق لمفاوضات تفصيلية حول صفقة نهائية . وعلي رغم أن تفاصيل وافية لم تنشر حول اتفاق المبادئ هذا إلا أنه تضمن (علي العموم) تكوين شركة مشتركة (joint venture) مملوكة بنسبة 51% من قبل شركة غاز الجنوب وبنسبة 49% من قبل شركة شل. إن الهدف من هذه الشركة هو جمع الغاز المصاحب، والذي يتم حرقه حالياً، ثم القيام بمعالجته وتصديره بعد سد الحاجة المحلية لتوليد الطاقة الكهربائية. لقد ادّعي وزير النفط العراقي خلال مقابلات جانبية إثر اجتماع منظمة الأوبك بعاصمة النمسا (Vienna) بتاريخ 9 أيلول (سبتمبر) الماضي إن إنتاج العراق الحالي من النفط هو حوالي 2,5 مليون برميل يومياً، ثم سيصعد هذا الإنتاج بالنهاية إلي ستة ملايين برميل يومياً يزداد علي أثره إنتاج الغاز المصاحب من منطقة البصرة إلي خمسة مليارات قدم مكعب قياسي يومياً. وقال الوزير بخصوص دفع رأسمال الشركة المزمع تكوينها، إن حصة شركة غاز الجنوب (51%) ستسدد بتملك الشركة الجديدة وحدات الغاز الحالية العائدة لشركة غاز الجنوب وكذلك الكابسات وكافة المنشئات السطحية المتعلقة. وقال الوزير أيضاً إن الغاز المزمع تصديره سيكون بهيئة سائلة (LNG)، حيث يتم تسييل هذا الغاز بواسطة منشآت طافية (floating) بعيدة عن الشاطئ (offshore).
لقد تعرض هذا الاتفاق إلي انتقادات من جانب بعض شركات النفط وذوي الاختصاص من العراقيين، باعتباره تم بغياب أية منافسة، وكذلك تصدير الغاز بهيئة سائلة قد تكون كلفته أعلى من تصديره بهيئة غازية بواسطة الأنابيب. هذا ناهيك عن دعوي أن العراق سيحتاج إلي كافة الغاز المنتج في السنوات القليلة القادمة لسد احتياجاته المحلية ولن يكون هناك فائض للتصدير في هذه المرحلة. ونظراً لثروة العراق العظيمة من الغاز الطبيعي، باعتبارها رافداً مهماً من روافد الاقتصاد العراقي، وكذلك تعرضها للهدر حرقاً بالوقت الحاضر، وقيام السلطات العراقية بالاتفاق مع شركة شل من أجل استغلال الغاز المهدور، ارتأينا القيام بإعطاء نبذة موجزة عن ثروات الغاز الطبيعي في العراق وذلك توضيحاً للشعب العراقي الكريم، ثم التعرض بعد ذلك إلى أوجه استغلال الغاز داخل العراق في توليد الطاقة الكهربائية وفي الصناعات البيتروكيمياوية وكذلك الصناعة النفطية وبما يقدم أفضل المنافع للعراق. كما سيتضمن تحليلنا الإجابة عن سؤال أيهما أقل كلفة: تصدير الغاز الفائض عن الحاجة المحلية بواسطة الأنابيب أم تسييله ثم نقله إلي أسواق الاستهلاك بواسطة ناقلات الغاز المسال؟ وأيهما أفضل لمصلحة الشعب العراقي: أن يتم استغلال الغاز العراقي بالمشاركة مع الأجنبي كما تريد وزارة النفط أو بواسطة الطاقات الوطنية كما يريد الوطنيون العراقيون، ولماذا؟ هذا ولا حاجة إلى القول بأن الغاية من العمل هذا هو دوماً خدمة المصالح العامة لوطننا الغالي ولشعبنا العراقي الحبيب.

الغاز الطبيعي العراقي ..نبذة موجزة 

بلغت احتياطيات الغاز العراقي الثابتة (
proven) في 1/1/2008 نحو 112 تريليون قدم مكعب (1،3 تريليون متر مكعب)، وبهذا الحجم من الاحتياطي يأتي العراق بالمرتبة العاشرة بين دول العالم الغنية بالغاز الطبيعي (أي بعد كل من روسيا، إيران، قطر، السعودية، الإمارات، أمريكا، نايجيريا، فنزويلا والجزائر). وخلافاً لمكانة العراق النفطية التي تضعه ثالث دولة نفطية بالعالم، وبموجبها يملك العراق نحو 6،8% من الاحتياطي العالمي، فإن العراق لا يحتوي حالياً إلا علي 8،1% من الاحتياطي العالمي الثابت للغاز الطبيعي. وعند المقارنة مع دول الشرق الأوسط الغنية بالغاز نري أن العراق يأتي بالمرتبة الخامسة ويحتوي علي 4،4% من احتياطيات الغاز الثابتة لهذه المنطقة. أما بخوص إمكانيات العراق الغازية المحتملة وغير المكتشفة فهي تبدو كبيرة جداً وتقدر بحوالي 332 تريليون قدم مكعب (3،9 تريليون متر مكعب)، يُعتقد أن 164 تريليون قدم مكعب (6،4 تريليون متر مكعب) منها هي بصفة غاز حر (free gas  )أي ليس مصاحباً للنفط، في حين أن الباقي وقدره نحو 168 تريليون قدم مكعب (7،4 تريليون متر مكعب) فهو غاز مصاحب (associated gas) أو ذائب في احتياطيات العراق النفطية المحتملة (غير المكتشفة بعد) والمقدرة بنحو 240 مليار برميل. 
ويمكن تصنيف احتياطيات العراق الغازية الثابتة كما يلي: 70% منها مصاحبة للنفط، 20% تتكون من الغاز الحر، والباقي 10% يتكون من غاز القبعة (
cap gas) وهو غاز يغطي طبقة النفط في بعض الحقول النفطية. هذا ويقع نحو 83% من الغاز المصاحب في الحقول النفطية الجنوبية، في حين يقع الباقي (17%) في الحقول الشمالية والوسطى. ويُبرر الانحراف الشديد في هذا التوزيع أن حوالي 75% من احيتاطي النفط الثابت يقع في الجنوب، كما أن نسبة الغاز المصاحب للنفط المستخرج (gas/oil ratio) في الحقول الجنوبية تبلغ نحو ضعف النسبة في الحقول الشمالية والوسطى. إن الغاز في الحقول الجنوبية هو غاز حلو (يحتوي علي مقادير ضئيلة جداً من الكبريت) مقارنة مع غاز الشمال الحامض والذي يحتوي علي حوالي 2،7% من كبريتيد الهيدروجين (H2S).
إن جميع قبعات الغاز، عدا واحدة منها، تقع في الحقول الشمالية والوسطي وإن قبعة الغاز الوحيدة التي تم اكتشافها في الحقول الجنوبية تقع في طبقة الغار من حقل مجنون. هذا وأن 94% من احتياطيات غاز القبعة تكمن في خمسة حقول شمالية، هي جمبور، عجيل، باي حسن، خباز وكركوك. ونظراً لأن أغلب الغاز العراقي هو من نوع المصاحب، فإن إنتاج الغاز بالعراق يتأثر بصورة رئيسية بإنتاج النفط. وينتج غاز القبعة كإضافة أو تكملة للغاز المصاحب المستعمل في توليد الطاقة الكهربائية وفي الصناعة في حالة الحاجة إليه، وكذلك لمواجهة حمل الذروة (
peak load) في توليد الطاقة الكهربائية. 
ويوجد في العراق عشرة حقول للغاز الحر (
free or non-associated)، خمسة منها تقع في شرق وشمال ــ شرق العراق وهي: حقول كور مور، چمچمال، خشم الأحمر، جريا يكا والمنصورية وتحتوي فيما بينها علي حوالي 11 تريليون قدم مكعب (نحو 300 مليار متر مكعب) كاحتياطي ثابت. ويحتوي كل من حقل صبّة (30 كيلومتر جنوب البصرة) وحقل عكّاس (في الصحراء الغربية قرب الحدود السورية) علي ما يزيد قليلاً علي تريليوني قدم مكعب ( نحو 100 مليار متر مكعب) من الاحتياطي الثابت لكل منهما.

إنتاج الغاز في العراق:

لقد بلغ معدل إنتاج الغاز في العراق ــ وكله من الغاز المصاحب تقريباً ــ خلال فترة الخمس سنوات 2003 ــ 2007 حوالي 1,115 مقمق يومياً (4،11 مليار متر مكعب سنوياً) يحرق نحو 64% منه كما جاء في إحصائية منظمة الأوبك لسنة 2007، أي ما يزيد قليلاً علي 700 مقمق يومياً، وهذا الرقم ينسجم مع التفاصيل القليلة المذكورة في اتفاق وزارة النفط مع شركة شل، كما بينا في صدر هذه المقالة.
ونظراً لأن معدل إنتاج العراق من النفط الخام خلال الفترة 2003 ــ 2007 بلغ 1,9 مليون برميل يومياً، كما جاء في الإحصائية المذكورة، فإن هذه الأرقام تعطينا نسبة غاز/ نفط معدلها 600 قدم مكعب للبرميل الواحد، أي أن إنتاج برميل واحد من النفط الخام سينتج معه 600 قدم مكعب من الغاز المصاحب كمعدل. ويبدو من حيثيات ورقة وزير الكهرباء العراقي التي ألقاها خلال " برنامج تنمية العراق: النفط والغاز والكهرباء والبتروكيمياويات " المنعقد في دبي بتاريخ 1 ــ 3 أيلول (سبتمبر) 2007: إن خطة وزارة النفط تتضمن رفع الإنتاج إلي خمسة ملايين برميل يومياً بحلول سنة 2010م، ثم إلي 5،6 مليون برميل يومياً بحلول 2015، وبناء علي النسبة غاز / نفط المحسوبة أعلاه ــ بافتراض أنها ستبقي ثابتة بحدود 600 قدم مكعب / برميل ــ فإن حجم الغاز المصاحب المنتج سيكون نحو 6،3 مليار قدم مكعب قياسي يومياً (37 مليار متر مكعب سنوياً) في 2010م ونحو 9،3 مليار قدم مكعب قياسي يومياً (40 مليار متر مكعب سنوياً) في 2015م.

الطاقة الكهربائية بالعراق..حاضراً ومستقبلاً:

إن سعة التوليد الكهربائية المنصوبة حالياً بالعراق، كما جاء في ورقة وزير الكهرباء المذكورة أعلاه، هي 120,11 ميغا واط، غير أن المنظومة هذه مع شبكة التوزيع المرتبطة بها قديمة جداً، وتفتقد إلي الصيانة المطلوبة، كما أنها تعرضت خلال غزو العراق إلي النهب ولا زالت تتعرض إلي التخريب. وتقدر ذروة الطلب بحدود 500,10 ميغا واط (صيف 2007)، كما أن نسبة التوليد إلي الطلب هي بحدود 40% ــ 50%. إن النقص الحاصل في توليد القدرة الكهربائية يعالج بقطع الحمل الكهربائي (
load shedding) بالتناوب لفترة معدلها 12 ــ 16 ساعة يومياً. إن السعة المنصوبة تتكون من 441,4 ميغا واط (40%) محطات حرارية (thermal plants)، و226,4 ميغا واط (38%) محطات غازية (gas plants) و446,2 ميغا واط (22%) محطات مائية (hydropower plants). إن توزيع الحمل بالوقت الحاضر يميل بشدة لصالح الاستعمال المنزلي، علي أن هذه الخصوصية في التوزيع ستنتهي عند استعادة الاقتصاد العراقي لحيويته واستئنافه لنموه، حينها ستأخذ قطاعات الصناعة والتجارة والزراعة نصيبها المناسب من الحمل.
إن خطة وزارة الكهرباء الرئيسية، بصيغتها الأولية، تتضمن نصب سعة توليد جديدة بمقدار 123,17 ميغا واط بحلول 2015م. وسيكون توزيع هذه السعة، من حيث حاجتها للطاقة الأولية، كالآتي: 205,8 ميغا واط حرارية، 846,6 ميغا واط غازية و072,2 ميغا واط محطات مائية وديزل. وبحلول سنة 2015م ستكون السعة القديمة المنصوبة ومقدارها 120,11 ميغا واط قد تم تأهيلها بالكامل، وسيصبح المجموع لسعة التوليد المنصوبة 243,28 ميغا واط، كما تدعي الوزارة، منها 653,12 ميغا واط (45%) محطات حرارية (أي تدار طوربيناتها بواسطة البخار) و072,11 ميغا واط (39%) محطات غازية. ومن بين 30 محطة غازية مزمع نصبها، اثنان منها فقط، كما يبدو من ورقة وزير الكهرباء، ستستعمل طوربينات غازية ذات الدورة المركبة (
combined cycle gas turbines) في حين أن الـ 28 محطة غازية الباقية ستستعمل طوربينات غازية ذات الدورة المفتوحة (open cycle gas turbines) وهذه مسألة تثير دهشتنا وحيرتنا، ذلكً أن الطوربينات ذات الدورة المركبة تتميز بكفاءة عالية معدلها نحو 54% قياساً بذات الدورة المفتوحة ومعدلها نحو 35% فقط، فلماذا تستعمل الآخيرة بدل الأولى؟
توليد الطاقة الكهربائية: النفط أم الغاز كوقود؟
إن استعمال الغاز كوقود لتوليد الطاقة الكهربائية هو الأفضل قياساً باستعمال النفط كوقود، والسبب الرئيسي وراء ذلك ــ من بين أسباب أخرى ــ هو أن كلفة الوقود لتوليد الوحدة الكهربائية كيلو واط ــ ساعة (
kwh) في حالة الغاز هي أرخص من كلفتها عند استعمال النفط، ولربما تنزل الكلفة إلي النصف. ولكن يشترط في ذلك استعمال طوربينات الغاز ذات الدورة المركبة، والتي هي أكثر كفاءة من طوربينات الغاز ذات الدورة المفتوحة، كما هي أكثر كفاءة من طوربينات البخار الذي يتولد بحرق النفط. ذلك أن طوربينات الغاز ذات الدورة المركبة تولد الكهرباء مرتين، المرة الأولي عندما يحترق الغاز ويحرك الطوربين الغازي لتوليد الكهرباء، والمرة الثانية عندما يُستغل نفس الغاز المحترق بعد أداء عمله في تحريك الطوربين الغازي لكي يولد بخاراً يقوم بتحريك طوربين بخاري وهذا بدوره يولد الكهرباء أيضاً.
ومن أجل توضيح ذلك، قمنا بحساب كلفة الوقود الغازي قياساً بوقود النفط لتوليد طاقة مقدارها كيلواط ــ ساعة واحدة، وتم ذلك باستغلال الرسم البياني الذي احتوته ورقة وزير الكهرباء حول احتياجات محطة لتوليد الطاقة الكهربائية بقدرة 000,1 ميغا واط ومعامل حمل قدره 80%، باستعمال طوربين غازي ذو دورة مركبة وكفاءة 53%، وكذلك باستعمال طوربين حراري (بخاري) حيث يُستعمل نفط الوقود (
fuel oil) لتوليد البخار، علماً أن كفاءة هذا الطوربين هي 38%. كذلك استعملنا الأسعار السائدة في الأسواق الأمريكية في 25 أيلول (سبتمبر) الماضي، وهو اليوم الذي قمنا فيه بتلك الحسابات، وكانت الأسعار كالآتي : 8.15$ لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (British thermal unit) و91$ للبرميل الواحد من نفط الوقود. وقد تبين لنا من تلك الحسابات أن كلفة الوقود لتوليد طاقة كيلو واط ــ ساعة هي 1،1 سنت أمريكي في حالة استعمال نفط الوقود و5،0 سنت أمريكي في حالة استعمال الغاز، هذا ويجب التنويه هنا بأن الحسابات هذه تقريبية لأننا قسنا كميات الوقود المطلوبة والطاقة المتولدة من الخطوط البيانية التي احتوتها ورقة الوزير بواسطة المسطرة.
ومن الحسابات أعلاه يتضح أن كلفة الوقود لتوليد وحدة واحدة من الطاقة الكهربائية باستعمال نفط الوقود هي أكثر من ضعف كلفتها باستعمال الغاز الطبيعي. ولهذه النتيجة سببان: السبب الأول هو أن النفط أغلي بكثير من الغاز محسوباً علي أساس الوحدة الحرارية البريطانية للنفط والغاز، والسبب الثاني هو لتفوق كفاءة الطوربين الغازي (ذو الدورة المركبة) علي الطوربين الحراري (البخاري)، كما أوضحنا أعلاه. ونظراً لأن كلفة الوقود لإنتاج الطاقة الكهربائية تعادل ــ علي العموم ــ نحو 70% من كلفة الإنتاج الكلية، ونظراً لأن الكلفة الرأسمالية (
capital cost) وكذلك الكلفة التشغيلية (operating cost) هي أقل في حالة محطة كهرباء غازية منها في حالة محطة كهرباء حرارية، نستنتج أن الكلفة الكلية لتوليد الطاقة الكهربائية باستعمال الغاز الطبيعي والطوربين الغازي ذو الدورة المركبة أرخص بكثير من توليد نفس الطاقة في محطة كهرباء حرارية بنفس السعة وتستعمل زيت الوقود أو النفط الخام. هنالك أيضاً سبب آخر يدعو إلي تفضيل محطات الكهرباء الغازية علي الحرارية يتعلق بمسألة الاحتباس الحراري (global warming)، وذلك أن النفط يحتوي علي عنصر الكربون أكثر مما يحتويه الغاز، ونتيجة لذلك تكون كميات غاز ثاني أوكسيد الكربون المنبعثة من النفط عند حرقة أكثر مما ينبعث من الغاز، وثاني أوكسيد الكربون، كما هو معلوم، يساهم كثيراً في الارتفاع الحراري الشامل. هناك ميزة أخري تحسب لمصلحة طوربين الغاز ذو الدورة المركبة وهي المرونة في النصب، كما يُجهز هذا الطوربين علي شكل وحدات متكاملة ومستقلة (modules) تتوائم مع السعات المطلوبة لمحطات الكهرباء الجديدة وكذلك تنسجم مع الحاجة عند توسيع المحطات القديمة. ولهذه الأسباب أصبحت محطات الكهرباء الغازية هي السائدة في أوربا وأمريكا واليابان والعديد من أقطار العالم في حالة المفاضلة بينها وبين محطات الكهرباء الحرارية المعتمدة علي النفط كوقود.

توليد الطاقة الكهربائية في حالة العراق

إن حسابات كلفة الوقود التي بيّناها أعلاه تنطبق على محطة كهربائية في أمريكا نظراً لاستعمالنا أسعار النفط والغاز لهذا البلد. أما في الحالة العراقية فإن الحسابات ستختلف لكون العراق بلداً منتجاً للنفط والغاز وبكلفة قليلة قياساً بأمريكا. ففي العراق يمكن اعتبار كلفة الغاز صفراً طالما تم إنتاجه بمصاحبة النفط، حيث أن النفط بذاته هو المقصود من العملية الإنتاجية وهو يتحمل كلفة الإنتاج. إن الكلفة الوحيدة التي يمكن أن يتحملها الغاز المصاحب هي كلفة المعالجة (
processing) ثم كلفة النقل إلى محطة الكهرباء. وإذا اعتبرنا كلفة نقل الغاز إلي المحطة مساوية لكلفة نقل النفط إلي نفس المحطة، فإن الكلفة الوحيدة التي سيتحملها الغاز هي كلفة المعالجة. ومن أجل المقارنة بين النفط والغاز في هذه الحالة لنفترض ــ تبسيطاً ــ أن البرميل الواحد من النفط يعادل ستة آلاف قدم مكعب من الغاز من حيث المحتوي الحراري. وعلي هذا الأساس ونظراً لأن كلفة معالجة ستة آلاف قدم مكعب من الغاز لا تتجاوز الدولار الواحد إلا قليلاً ــ حسب تخميننا ــ وهذه الكلفة قليلة مقارنة بكلفة البرميل الواحد من النفط (كلفة رأسمالية + كلفة تشغيلية) والتي نقدرها بنحو خمسة دولارات للبرميل الواحد، نستنتج أن كلفة الوقود لإنتاج كيلو واط ــ ساعة واحدة في محطة حرارية بالعراق تستعمل النفط كوقود تعادل حوالي خمس مرات كلفة إنتاج نفس الكمية من الطاقة الكهربائية باستعمال الغاز الطبيعي مع طوربين ذو دورة مركبة في محطة غازية.
بناءً علي الاستنتاج أعلاه فإن السؤال الذي يطرح نفسه فوراً هو: لماذا إذن الإصرار علي استعمال النفط والتوسع باستعماله وهو الأعلي كلفة مقارنة مع الغاز؟ لابد أن يوجه مثل هذا السؤال إلي وزير الكهرباء العراقي لعلنا نجد عنده الجواب، أما نحن، وبناء علي حساباتنا، ومن باب حرصنا علي مصلحة العراق، لسنا فقط ندعو إلي استعمال الغاز مع طوربينات الدورة المركبة، وإنما ندعو أيضاً إلي تحوير محطات الكهرباء الحرارية الحالية لكي تشتغل علي الغاز وباستعمال الطوربينات الغازية ذات الدورة المركبة، كما ندعو إلي إحلال الغاز محل النفط وحرقه لتوليد الكهرباء بدلاً من حرق الأخير، ثم العمل علي تصدير النفط لكون ريعه هو الأعلى قياساً بريع الغاز. فبموجب حسابات خاصة قمنا بها تفترض ثمانين دولاراً لبرميل الخام المصدر، وسبعة دولارات لكل ألف قدم مكعب يجري تصديرها، وعلي أساس المكافئ لبرميل واحد من النفط الخام هو ستة آلاف قدم مكعب، وباحتساب كلفة إنتاج النفط الخام ومعالجة الغاز وقيمة الغازات السائلة (
NGLs) التي تستخلص بمعالجة الغاز، وباعتبار الأثر السلبي علي الطلب العالمي علي النفط عند تصدير الغاز وهو منافس للنفط، نجد أن الريع المستحصل من تصدير برميل واحد من النفط يساوي 75 دولاراً مقابل ريع قدره 45 دولاراً يستحصل من تصدير ستة آلاف قدم مكعب من الغاز. وبهذه العملية يمكن توفير 30 دولاراً للخزينة العراقية مقابل كل برميل نفط يجري استبداله بالغاز في محطات الكهرباء بالعراق. هذا من جهة، ومن جهة أخري بناءً علي كون كلفة وحدة الطاقة الكهربائية المنتجة باستعمال الغاز هي أقل بكثير من كلفتها باستعمال النفط، كما بينا سلفاً، وبناءً علي كون الغاز أنظف من النفط وأكثر رأفة منه بالبيئة نتيجة احتوائه علي كميات من الكربون أقل مما يحتويه النفط، يصبح لزاماً علي وزارة الكهرباء استعمال الغاز الطبيعي في توليد الطاقة الكهربائية بدلاً من النفط، كما يصبح لزاماً علي وزارة النفط العمل الجاد علي إصلاح ما تضرّر من مشروعي غاز الشمال والجنوب بما فيهما وحدات معالجة الغاز والكابسات ومتعلقاتهما في الرميلة وخور الزبير، ولا نعلم لماذا تم إهمال هذا العمل الحيوي علماً أنه قد تقرّر القيام به منذ صيف 2003م، وكان المتوقع إتمام أعمال تصليح وإعادة تأهيل منشآت النفط والغاز بحلول شهر نيسان 2004 (كان كاتب هذه السطور أحد أعضاء اللجنة التي أشرفت علي تحضير الخطة القصيرة الأجل لأعادة تأهيل البنية التحتية النفطية التي دمرت إثر الغزو). نعم، لم هذا الإهمال وقد مرّت أربع سنوات ونصف علي الأجل المذكور، والغاز يستمر نصيبه الحرق ولا ينتج منه غاز البترول المسال (LPG) أو غاز الاسطوانات كما يسمّيه الناس وهو يمس الحياة اليومية للمواطن العراقي؟

تقدير الطلب المحلي علي الغاز في العراق:

إن خطة وزارة الكهرباء الأولية والرئيسية تستدعي نصب سعة توليد كلية قدرتها 243,28 ميغا واط بحلول سنة 2015م، بحيث تكون سعة المحطات الحرارية منها 653,12 ميغا واط وسعة المحطات الغازية 072,11 ميغا واط. ويبدو من حيثيات ورقة وزير الكهرباء أن مجموع سعة المحطات الغازية التي تستعمل طوربينات غازية ذات الدورة المركبة ستكون 500 ميغا واط فقط، ولكن لاستغرابنا وذعرنا الشديدين ستكون سعة المحطات الغازية بطوربينات ذات دورة مفتوحة 572,10 ميغا واط، وهذه تمثل أكثر من 95% من السعة الكلية لمحطات البلد الغازية! ولم تقدم ورقة الوزير أي تفسير لهذا الاختيار الغريب علي الرغم من تدني كفاءة المحطات بطوربينات ذات الدورة المفتوحة كما بيّنا أعلاه. وإذا افترضنا أن وزارة الكهرباء ستغير رأيها وتقرر نصب طوربينات ذات الدورة المغلقة لجميع المحطات الغازية، كما ستقوم تدريجياً بتحوير المحطات الحرارية وتحويلها إلي محطات غازية، فإن السعة الكلية للمحطات الغازية ستصبح 725,23 ميغا واط، وسيكون مجموع استهلاك هذه المحطات نحو 430 مليون مقمق يومياً من الغاز المعالج (
processed gas) أو نحو 540 مقمق يومياً من الغاز الخام (raw gas).
وفيما يخص احتياجات القطاعات الاقتصادية الأخرى للغاز في سنة 2015م، فإن تقديرها سيكون صعب جداً نظراً للخراب الذي أصاب الاقتصاد العراقي منذ سنة 1991م وعدم وجود مؤشرات مقبولة يمكن استعمالها أو البناء عليها. علي أننا وجدنا تقديرات لسنة 1990م لتوزيع الغاز بنسب مئوية حسب القطاع الاقتصادي (علماً أن سنة 1990م لم تكن سنة اعتيادية بالكامل نظراً لفرض الحصار الاقتصادي علي العراق منذ أوائل شهر أيلول لتلك السنة) وقد كان توزيع استهلاك الغاز كالآتي: 27.3? لتوليد الطاقة الكهربائية، 5،91% كلقيم للقطاع الصناعي، 5،21% وقود للقطاع الصناعي، 8،53% استهلاك الصناعة النفطية و9،4% للصادرات. ولقد بلغ استهلاك العراق من الغاز في سنة 1990م 980,3 ألف متر مكعب (319 مقمق يومياً) طبقاً لنشرة أوبك الإحصائية لتلك السنة، كما بلغ إنتاج العراق من النفط في نفس السنة 1،2 مليون برميل يومياً. وبناء علي ورقة وزير الكهرباء التي ادعي فيها بأن إنتاج العراق من النفط في عام 2015م سيصل إلي 5،6 مليون برميل يومياً (وهذا أمر مستبعد ولكننا سنأخذ به من أجل التخمين علي أية حال) وباستعمال نفس نسبة الغاز المستهلك إلي النفط المنتج في سنة 1990م، فإن الصناعة النفطية ستحتاج إلي نحو 560 مقمق يومياً بحلول سنة 2015م.
أما بخصوص الصناعة التحويلية بالعراق، وهي قد أصبحت خَرِبة وقديمة جداً نتيجة للحصار الاقتصادي والحروب، يتحتم علي الحكومات العراقية انعاشها وتأهيلها، كما يتحتم رعاية القطاع الصناعي بصورة عامة لكي يحقق نمواً سريعاً من خلال خطط تنموية مدروسة وقوانين استثمارية مناسبة لتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر (
foreign direct investment). إن وزير الصناعة العراقي، بورقته التي ألقاها في مؤتمر برنامج تنمية العراق في دبي ــ وقد أشرنا إلي هذا المؤتمر سابقاً ــ قدم تعداداً للصناعات الرئيسية التي تستعمل الغاز كلقيم أو وقود أو كليهما معاً، وقد اشتملت تلك الصناعات علي الصناعات الحالية في الجنوب بعد إكمال تأهيلها خلال 2007 ــ 2009م، وصناعات الأسمدة في خور الزبير وفي الشمال وفي القائم (الأنبار)، ومجمع البيتروكمياويات في البصرة، وصناعة الاسمنت، وصناعة الألمنيوم في غرب العراق، وقد أشار الوزير إلي أن تلك الصناعات مجتمعة ستحتاج إلي 370,1 مقمق يومياً. وإذا أضفنا إلي هذه الكمية تقديرنا لما تحتاجه بعض الصناعات الصغيرة، وأخذنا بنظر الاعتبار أن الغاز المجهز للاستهلاك الصناعي (أو غير الصناعي) هو غاز جاف (dry gas)، أي تمت معالجته وهو بذلك يتعرض إلي فاقد (shrinkage) بعد المعالجة، فإن تقديرنا لمجموع ما ستحتاجه الصناعات العراقية من الغاز الخام بحلول سنة 2015م (وهذا تقدير أولي) سيكون 900,1 مقمق يومياً. وبناءً علي تقديراتنا لاحتياجات الطاقة الكهربائية والصناعة النفطية والصناعات التحويلية، فإن مجموع ما سيحتاجه العراق من الغاز للاستهلاك المحلي بحلول سنة 2015م سيكون نحو 3 مليار قدم مكعب قياسي يومياً. إن العراق سينتج حسب تقديراتنا السابقة، 9،3 مليار قدم مكعب قياسي من الغاز المصاحب يومياً، في سنة 2015م إذا وصل الإنتاج النفطي في تلك السنة إلي 5،6 مليون برميل يومياً كما يُدّعي. وفي هذه الحالة ستتم تلبية احتياجات العراق من الغاز بسهولة. ولو نظرنا إلي جغرافية إنتاج العراق من النفط لوجدنا أن محافظة البصرة لوحدها ستنتج أكثر من ملياري قدم مكعب قياسي يومياً من الغاز المصاحب إذا ما تم تطوير الحقول الحالية المنتجة كلياً وجزئياً بحلول سنة 2015م. هذا وإذا أضفنا إليها الحقول المكتشفة والغير مطوّرة (وهذه الحقول صغيرة مقارنة بالحقول المنتجة جزئياً) فإن إنتاج الغاز المصاحب من محافظة البصرة لوحدها سيصل إلي نحو 5،2 مليار قدم مكعب قياسي يومياً في سنة 2015م. إن مثل هذا الإنتاج الغزير سيلبي ما يربو على 80% من احتياجات العراق للغاز في تلك السنة.


مركز دراسات الطاقة العالمية ــ لندن

 
 

      اطبع هذه الصفحة    
 

 

المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها - أتفاقية الأستخدام
كل الحقوق محفوظة ®2015 لموقع النفط والغاز الطبيعي العربي