موقع النفط والغاز الطبيعي العربي

 

 

 
    الصفحة الرئيسية > قسم الدراسات      
 

الغاز الطبيعي وموقعه في السياسة الدولية

 
 


إذا كان هناك من سبب بعينه وراء ظهور الغاز الطبيعي كسلعة عالمية فهو ارتفاع الطلب على الكهرباء.
إن الطلب العالمي على الغاز الطبيعي سيتضاعف على مدار الثلاثين عاما المقبلة مدعوما بنمو عمليات توليد الكهرباء المعتمدة على الغاز. وحسب المؤشرات المتاحة، سيرتفع الطلب على هذه السلعة الاستراتيجية إلى نحو 4.8تريليونات متر مكعب سنويا بحلول العام 2030وستكون هناك منافسة قوية على الأسواق والزبائن. بيد أن الحصول علي إمدادات مأمونة سيبقى قضية مهمة، خاصة في أوروبا الغربية التي أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على وارداتها من الغاز، كما ينطبق الأمر بصورة مقاربة على آسيا
وعلى الرغم من ذلك، يمكن القول إن الكثير من الأنشطة التجارية قد أصبحت على مدى العقد الماضي عالمية بالفعل في حركتها ومؤسساتها إلا أن الغاز الطبيعي ظل استثناء حتى الآن. وعلى الرغم من ضخامته (تزيد تجارة الغاز الطبيعي عن 500مليار دولار سنويا) فهو لا يزال تجارة محلية أو وطنية أو قارية، ومحدوداً بما تصله خطوط الأنابيب وبغياب سوق دولي له. إلا أن هذه الصورة آخذة في التغير لان الغاز الطبيعي المسال سيسمح لاحتياجات الغاز الوفيرة بأن تحمل بفاعلية للمستهلكين.
بيد أن تشكل السوق العالمية للغاز يحتاج إلى طلب متنام واحتياطيات وفيرة وتكاليف تنافسية. ويجب أن تقوم الشركات الخاصة بتوفير رأس المال اللازم والموارد البشرية المطلوبة. ولن يقدر لمشاريع الغاز الكبيرة أن تنطلق إلا بوجود شروط متكافئة ومنصفة ومستقرة لكل أطراف الصفقات.
وقد قُدرت احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة في العالم مطلع العام 2001بنحو 164.6تريليون متر مكعب أي ما يعادل 60سنة استهلاكية، وفق معدلات الاستهلاك الحالية.
ويعتبر توزيع احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم أكثر تنوعاً قياسا بما هو عليه حال النفط. وعلى الرغم من أن منطقتين رئيسيتين تحتويان على نحو سبعين في المئة من الاحتياطيات العالمية المؤكدة من الغاز، فإن الاكتشافات التي تحققت في السنوات الأخيرة مكنت من إعادة تقييم احتياطيات الغاز في كافة مناطق العالم تقريباً.
وتحتوي منطقة الشرق الأوسط على 35.7في المئة من إجمالي الاحتياطيات العالمية، وهي تضم أكبر تجمع للغاز الطبيعي في العالم.
وعلى الرغم من ذلك، لا يزال إنتاج منطقة الشرق الأوسط من الغاز متواضعاً بالمقارنة مع احتياطياتها المؤكدة. ويبلغ عمر هذه الاحتياطيات نحو 234سنة بمعدلات الإنتاج الحالية.
أما الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى والقوقاز فتصل احتياطياتها من الغاز إلى 34في المئة من الإجمالي العالمي، وتقع أكبر الاكتشافات في أذربيجان وتركمانستان.
وتحتوي أمريكا الشمالية وأوروبا معاً على عشرة في المئة من الاحتياطيات العالمية المؤكدة.
ويوجد لدى أستراليا حجم كبير من الاحتياطيات المؤكدة، كما توجد احتياطيات ملحوظة في جنوب شرق آسيا، خاصة في ماليزيا وإندونيسيا.
وفي منطقة الخليج، تقدر احتياطيات الغاز الطبيعي بنحو 45تريليون متر مكعب، وذلك حسب مؤشرات مطلع العام 1996.وقد تم تشييد أول مصنع لتسييل الغاز الطبيعي في الخليج في جزيرة داس، من قبل شركة أبو ظبي لتسييل الغاز (ادجاز). ويتم تصدير معظم إنتاج هذا المصنع إلى شركة طوكيو للطاقة الكهربائية (تبكو) تنفيذا لعقود طويلة الأجل.
وعلى صعيد الآفاق العالمية لتجارة الغاز، تشير التوقعات إلى زيادة الطلب في أوروبا الغربية من 333مليار متر مكعب في العام 1995إلى 360أو 400مليار متر مكعب مع بداية الألفية الثالثة، وإلى نحو 480مليار متر مكعب في العام 2010، وفي ذلك العام يمكن أن ترتفع حصة الغاز في استهلاك الطاقة في أوروبا الغربية إلى أكثر من ثلاثين في المئة.
ويرى خبراء أوروبيون أنه من الأفضل لأوروبا استيراد الغاز الطبيعي المسال من دول الشرق الأوسط، إذ أنه الأجدى اقتصاديا مقارنة بالمصادر الأخرى.
وحتى الآن، فان إجمالي الغاز المسيل الذي تستورده أوروبا من دول مجلس التعاون الخليجي لا يتجاوز نسبة الواحد في المئة من إمدادات الغاز التي تصل القارة. وهو يعادل 1.5مليار متر مكعب، اغلبها تستورده فرنسا وايطاليا وأسبانيا من أبو ظبي وقطر. وتستورد إيطاليا وأسبانيا نحو 510ملايين متر مكعب من الغاز المسيل في أبو ظبي فيما يذهب نحو 80مليون متر مكعب من الغاز الظبياني إلى فرنسا.
وبالنسبة لواردات أوروبا الحالية من الغاز، تصل ما نسبته 41في المئة من هذه الواردات من روسيا و 28في المئة من الجزائر، والباقي من النرويج ونسبة ضئيلة من دول الخليج وبحر الشمال.
ومن جهة أخرى، نما استهلاك الغاز في العام 1999أكثر من 20في المئة في كوريا والبرتغال وتركيا، وأكثر من عشرة في المئة في أسبانيا والصين والدول الواقعة أقصى جنوب القارة الأمريكية الجنوبية. كما نما الطلب بنسبة ثمانية في المئة في اليابان.
أما على صعيد الولايات المتحدة الأمريكية، فيمكن ملاحظة أنها بقيت حتى الآن، ولمدة تزيد على نصف قرن، مكتفية ذاتيا من الغاز الطبيعي إلى حد كبير، باستثناء وارداتها من كندا. بيد أنه يتوقع لها أن تصبح في السنوات الخمس المقبلة مستورداً كبيراً. وفي غضون عشر سنوات ستصبح أكبر مستورد للغاز الطبيعي في العالم متقدمة على اليابان، التي تحتل هذا المركز الآن.
إن الحقيقة، كما أكدتها دراسة جديدة لمجلس خامات النفط القومي الأمريكي، هي إن القاعدة الجيولوجية للولايات المتحدة قد أصبحت ناضجة، أي أنها استكشفت بالكامل. كما أن عجز الإمدادات وارتفاع التكلفة الناتج عنه كان احد أسباب أزمة الطاقة في كاليفورنيا عامي 20002001.وفي العام 2002لم يمثل الغاز الطبيعي المسال سوى واحد في المئة فقط من إنتاج الغاز الطبيعي الأمريكي. لكنه في العام 2020قد يتجاوز العشرين في المئة. ومع تزايد الواردات الأمريكية من كندا على مدى التسعينيات، تحول ما كان اكتفاء ذاتيا إلى كفاية ذاتية قارية. وقد شجعت الولايات المتحدة بحماس تقنيات توليد الطاقة بالغاز، وتزايد إنتاجها من الكهرباء المعتمدة على الغاز بنسبة أربعين في المئة منذ العام 1990، وينتظر ظهور زيادة كبيرة أخرى. وهناك 200ألف ميغوات تنتج من الغاز أو ستنتج منه قريبا. وتمثل هذه الطاقة أكثر من ربع كامل الإنتاج الأمريكي في العام 2000واكبر من كامل الصناعة الكهربائية لبريطانيا وفرنسا مجتمعتين.
ونتيجة لتراجع العرض وزيادة الطلب ارتفعت أسعار الغاز المنتج محلياً في الولايات المتحدة إلى الضعف، وهو ما أبطأ الاقتصاد. ذلك أن ارتفاع الأسعار يضر بالمستهلكين في المنازل مثلما يضر بصناعات مثل الأسمدة والكيماويات والبلاستيك. بل إن هذه الصناعات قد بدأت بالفعل بتقليص الإنتاج وإغلاق بعض المصانع. وعلى الرغم من ذلك، فان الأثر الحقيقي لارتفاع أسعار الغاز لم يظهر بعد.
غير أن الولايات المتحدة إن أرادت من الغاز الطبيعي المسال أن يلبي حاجاتها فعلا، فعليها أن تبدأ الاستثمار في منشآته وهي المنشآت التي تربط الشبكة العالمية للغاز بالأسواق الداخلية.
ويبدو أن السوق يستجيب لهذا الواقع: فأكثر من ثلاثين مشروعا كبيرا قد اقترض حتى الآن. وبعض المنشآت قد تكون على البر وآخرها قبالة السواحل، بل وقد تبنى منشآت في الدول المجاورة لإرضاء رغبات بعض الولايات بالحفاظ على البيئة: المكسيك لتغذية كاليفورنيا، والباهاما لتغذية فلوريدا وكندا لإمداد نيو انغلاند. ويفترض بناء ثلث المشروعات المقترحة على الأقل في العقد المقبل للوفاء بحاجات الولايات المتحدة
وعالميا، ظهر الغاز الطبيعي المسال في ستينيات القرن الماضي كعملية مستحدثة لنقل الغاز غير المستغل في أسواق مثل الجزائر وبروناي. ومنذ ذلك الحين شهدت سوق الغاز الطبيعي المسال تذبذبا، إذ توافرت طاقة إنتاج فائضة في السبعينيات والثمانينيات غير أن هذه السوق حققت تطورا مهما في الفترة الحالية، إذ يصدر نحو 90مليون طن سنويا لتسع دول.
ومثلت سوق الغاز الطبيعي المسال في منطقة آسيا والمحيط الهادي أكثر من نصف صادرات العالم، وما يقرب من ثلاثة أرباع الواردات في العام 2000، بيد أن معظم هذه التعاملات جرت داخل المنطقة وفقا لاتفاقات طويلة الأجل.
وفيما يتمتع العالم باحتياطيات كبيرة من الغاز إلا أن تلك الاحتياطيات تبتعد جغرافيا بصورة متزايدة عن الأسواق الرئيسية.
وقد انخفضت تكلفة التسييل بنسبة تراوحت بين 25في المئة و 35في المئة خلال السنوات العشر الماضية، كما أن تكلفة النقل بناقلات الغاز الطبيعي المسيل انخفضت هي الأخرى بنسبة تراوحت بين 20في المئة و 30في المئة.
وفي العام 2001، أفادت أرقام غير رسمية بوجود 128سفينة لنقل الغاز الطبيعي المسال تعمل في جميع أنحاء العالم، وكانت هناك طلبات بـ 29سفينة أخرى.
والغاز الطبيعي المسال، مثله مثل الغاز الذي ينقل عن طريق الأنابيب، يحتاج أسعارا ثابتة. ويتكلف بناء وحدة تسييل الغاز نحو مليار دولار، ويتكلف بناء ثلاث سفن خاصة بنقل الغاز 500مليون دولار، ويحتاج منفذ التسليم سواء في نقطة الاستخدام أو الضخ في شبكة الغاز 300مليون دولار. وينافس الغاز الطبيعي المسال الغاز الذي ينقل عن طريق الأنابيب عنـدما تتجـاوز مسافة الشحـن ألفي كيلو متر.
ويستغرق مد خطوط الأنابيب أعواما وأحيانا تمر في أراضي دول تحصل على حصة من الغاز بدلا من أن تسدد ثمنه، فيما يصعب مدها في مياه المحيطات العميقة.
إن تكلفة مشاريع الغاز الطبيعي تعني أن المستثمرين يريدون ضمان صفقات مستقبلية وعوائد متواصلة وحماية أنفسهم من أي تحولات غير متوقعة في السوق. وفي العادة لا يبدأ تنفيذ المشروع إلا بعد تغطية الاستثمار بعقد لبيع الإنتاج لمدة عشرين عاما يربط الإنتاج بسوق مضمونة.
ويمكن الإشارة هنا على حقيقة مفادها أن انخفاض أسعار الغاز، حتى لو كان مؤقتا، يمكن أن يثبط همم المستثمرين ويخنق النمو. هذا على الرغم من أن التسعير الحالي للغاز الطبيعي قد تم منذ 30عاما.
وفي ظل أوضاع كهذه، يبدو قيام تجمع مشابه لأوبك بين مصدري الغاز الطبيعي المسال أمرا محتملا، خاصة وأن العديد منهم هم مصدرو نفط أيضا. وان الرغبة في بلورة سياسات مشابهة ستكون قوية ولا تقاوم، لكن ستبقى هناك حدود لما يمكن فعله على هذا الصعيد، وذلك يعود جزئيا إلى وجود دول عديدة مصدرة أكثر تباينا من أن تشكل كتلة واحدة. فأستراليا وروسيا وانغولا سترى كل منها العالم بطريقة مختلفة عن رؤية الأخرى.
أضف إلى ذلك أن الدول المصدرة قد تتنافس فيما بينها وهو ما سيقلل نفوذها. كما أن الدول المنتجة نفسها ستحتاج للإبقاء على علاقات جيدة مع زبائنها لحماية حصتها في السوق وتشجيع المزيد من الاستثمار، ولهذا ستكون على الأغلب حذرة من القيام بأي إجراءات يمكن أن تقطع التدفق المهم للعوائد إلى خزاناتها الوطنية.
إن هذه القضايا الجيوسياسية تشير إلى أن تجارة الغاز ستكون لها مضامين سياسية، ولكن ليس بالضروري أن تشعل أي منها المواجهات، فالغاز ليس مجرد سلعة تجارية، إذ باعتباره تجارة عالمية سيمثل فرصة للدول حتى ترسي علاقات دائمة، مثلما فعلت الدول في آسيا وأوروبا على مدى العقود الثلاثة الماضية، فاليابان التي تعاني عجزا في الطاقة سعت منذ زمن طويل للتوصل إلى روابط سياسية قوية مع الدول التي تمدها بالغاز.
وكتجسيد للمضامين الجيو سياسية لتجارة الغاز، يمكن أن نشير إلى مشروع الغاز الطبيعي المسال في سخالين، الذي يتكلف عشرة مليارات دولار، والذي سيورد الغاز الروسي إلى اليابان. وقد مثل هذا المشروع أضخم مشاريع القطاع الخاص الأجنبية في روسيا كما مثّل تعهدا كبيرا يعتمد أساسا على التزام بين حكومتي البلدين لتعزيز الاستثمار.
وفي نموذج آخر لهذه المضامين، يمكن الإشارة إلى مشروع شركة غازبروم الروسية، الذي سيتم بموجبه اعتبارا من هذا العام ضخ ما لا يقل عن 45مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي التركماني إلى الأسواق العالمية عبر أنبوب غاز "آسيا الوسطى"، الذي سيربط بين كل من تركمانستان وأوزبكستان وكازاخستان وروسيا وأوكرانيا
كذلك، وقعت روسيا وبريطانيا في حزيران يونيو الماضي مذكرة تفاهم للتعاون في إنشاء خط أنابيب لنقل الغاز، يمر تحت سطح بحر البلطيق ويمتد من روسيا إلى أوروبا وينتهي في بريطانيا.
وفي الأخير، نعود للتأكيد على القول بأن التحديات الرئيسية التي تواجه صناعة الغاز تتمثل في العمل على خفض التكلفة وإنشاء البنية الأساسية والمؤسسات التجارية التي تضمن تدفق الغاز إلى الأسواق، وتطوير أسواق جديدة غير خاضعة للقيود التنظيمية لتمكين إمدادات الغاز من التنافس مع أنواع الوقود الأخرى.

منتدى عربيات الأقتصادي

 
 

      اطبع هذه الصفحة    
 

 

المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها - أتفاقية الأستخدام
كل الحقوق محفوظة ®2015 لموقع النفط والغاز الطبيعي العربي