موقع النفط والغاز الطبيعي العربي

 

 

 
    الصفحة الرئيسية > قسم الدراسات      
 

دراسة في مشروع قانون النفط والغاز العراقي

 د.زهير الحسني

 
 

 
مقدمة
1. النفط مادة استراتيجية تخضع لقرارات السيادة الوطنية لانها تتحكم والى حد كبير في اقتصاديات الدول المنتجة والدول المستهلكة على حد سواء. ولذا فانها استثنيت من احكام منظمة التجارة العالمية ومن مبدأ حرية التجارة وأصبحت جزءاً من السيادة الوطنية. 
2. ويقوم الاقتصاد العراقي أساساً على استغلال الثروة النفطية التي تعد عوائدها المصدر الوحيد القادر على اعادة بناء البنى التحتية الصناعية والزراعية بعد الخراب الذي أصابها بسبب الحروب  والكوارث السياسية التي أصابت العراق. 
ولغرض اعداد سياسة وطنية عقلانية لبناء الصناعة النفطية لابد من تمكين الكوادر العراقية ذات الخبرات المتراكمة من المشاركة في صياغة قانون النفط والغاز الذي وافق عليه مجلس الوزراء تمهيداً لكي تأخذ دورها في اعادة تأهيل المنشآت النفطية التي شاركت تلك الكوادر في بنائها. 
ونورد فيما يأتي مساهمتنا القانونية والاستراتيجية على مشروع القانون المذكور توصلا الى صياغة تخدم مصالح العراق أولاً وقبل كل شيء.
 
أولاً: 
نطاق القانون
ويتضمن جانبين هما:
1- 
النطاق المكاني: يغطي القانون الاراضي العراقية والمياه الداخلية والاقليمية والجرف القاري (م/ح/أ) و (م/29) وينبغي اضافة الجرف القاري الذي لم يرد ذكره في هاتين المادتين.
2-
 النطاق الموضوعي ويقتصر نطاقه على الصناعة الاستخراجية ويستثنى منه الصناعة التحويلية والخزن ونقل وتوزيع المنتجات النفطية. وكان الاولى أن ينصرف الاستثمار الاجنبي الى الصناعة التحويلية التي تحتاج الى تقنية معقدة، توجد لدى الشركات العملاقة خاصة وان أزمة المشتقات النفطية التي تزيد في تأزيم مشكلة الخدمات، تقتضي السرعة في اعادة تأهيل هذه الصناعة التحويلية قبل التفكير في زيادة الطاقة التصديرية للنفط العراقي .
ثانياً:هيئات تنفيذ القانون
وهي الهيئات التي تشارك باتخاذ القرارات والتوصيات المتعلقة بالسياسة النفطية وهي كل من:  
1- 
المجلس الاتحادي للنفط والغاز: وهو جهاز مهم لاتخاذ القرار بشأن العقود المبرمة مع الشركات النفطية بما فيها شركة النفط العراقية. وينبغي في عضوية المجلس مراعاة الاختصاص الفني والاستفادة من الخبرات المتراكمة وعدم التعويل في (م/5/ت) على التمثيل السياسي لان هذا الجهاز موظف لتوحيد السياسة النفطية وليس عرض تنوعات الفسيفساء العراقي. 
2-
 مكتب المستشارين المستقلين: وهو هيئة فنية لدراسة العقود واعطاء رأيها الى المجلس الاتحادي للنفط والغاز. ومن الصعب اختيار اعضائه بالاجماع ويفضل العمل باغلبية الثلثين بالنظر للتنوع المعقد للتمثيل فيه الذي يجعل الاجماع مانعاً من عمل المكتب وكل ذلك على حساب الكفاءة (م/5/ت/سادساً). 
3-
 دائرة التخطيط ومتابعة مراحل التراخيص: وهي هيئة متابعة لابرام العقود وينبغي تحديد عدد الممثلين في كل حلقة من حلقات التفاوض، وهو غير محدد في (م/7)، لان عدم التحديد مظنة لاثارة النزاع. 
ثالثاً: 
الاختصاصات:
وتتجلى هذه الاختصاصات في الهيئات الآتية:
1- 
شركة النفط الوطنية: وتتولى بموجب القانون دوراً رئيساً في الصناعة النفطية وينبغي الاسراع باصدار قانون لاعادة تشكيل هذه الشركة لانها عماد التشغيل في العراق وذلك لانها تتولى الاختصاصات الآتية:
أ.الاختصاص الحصري، ـ ويتم في ادارة وتشغيل حقول الانتاج الحالية المذكورة في (م/6/ب/أولاً) .
                        ـ ويتم في تطوير وادارة وتشغيل بعض الحقول المكتشفة وغير المطورة (م/6/ب/ثانياً) والمناطة بهذه الشركة والمذكورة في الملحق رقم (2) على سبيل الحصر. و(م/12/ب).
                         
ب.الاختصاص التنافسي، ويتم في اطار عمليات التنقيب والانتاج في مناطق جديدة خارج المناطق الخاضعة لعملياتها وعلى أسس تنافسية مع الشركات الاخرى ومن خلال الحصول على تراخيص التنقيب والانتاج (م/6/ب/ثالثاً). ولهذا الغرض ينبغي تعديل مشروع القانون نحو الجمع بين الحقول المكتشفة كلها في اطار واحد، سواء تلك الخاضعة لاختصاص شركة النفط الوطنية بموجب الجدول الملحق رقم (2) أو تلك غير الخاضعة للشركة بالملحق رقم (3) وادخال الاخيرة ضمن عمليات شركة النفط الوطنية وضمن اختصاصها الحصري ليس الا، زيادة على الحقول المذكورة في الملحق (2) ، لأن الحقول المذكورة في الملحق رقم (3) هي الحقول العملاقة التي يجب استغلالها من قبل شركة النفط الوطنية حصراً لأنها تضم الإحتياط العراقي من النفط الذي يجب أن يكون مملوكاً للشعب العراقي دون مشاركة الشركات الأجنبية بموجب عقود التنقيب والإنتاج والتطوير  .
ج.التشغيل، وينبغي أن يتم بموجب عقود خدمات أو عقود ادارة مع شركات أخرى لاعادة تأهيل الحقول المنتجة الخاضعة للاختصاص الحصري للشركةلكافة الحقول المكتشفة المنتجة أو غير المطورة . ولايجوزالقيام بذلك بعقود المشاركة أو التنقيب والإنتاج والتطوير (م/8/أ)، لمخالفته للمادة 111 من الدستور . 
2. 
الهيئة الاقليمية، وهي الوزارة المختصة في حكومة الاقليم التي تقوم باعطاء التراخيص في مجال التنقيب وتطوير الحقول المكتشفة غير المطورة المذكورة في ملحق رقم (3). وهذا مخالف لاختصاص شركة النفط الوطنية المحدد بالملحق رقم (2) مما يؤدي الى التعارض بين اختصاص هذه الهيئة الاقليمية وشركة النفط الوطنية واختصاص وزارة النفط (م/5/ح/ثالثاً). وهذا التباين من شأنه أن يحول دون وجود نظام موحد للعقود في مناطق العراق المختلفة كما هو حال (م/5/ح/رابعاً). 
    يفهم مما تقدم أمور خطيرة هي: 
الامر الاول:
 يعني اعطاء التراخيص للحقول غير المكتشفة والحقول المكتشفة غير الواردة في الملحق رقم (2) الى الشركات الاجنبية بموجب عقود تنقيب وانتاج وتطوير، الالتفاف على قانون 80 لسنة 1961 الذي أعاد للعراق السيادة على النفط العراقي من الكارتل النفطي. وان عقود التنقيب والانتاج والتطوير المقترحة هي من عقود المشاركة التي لم يوضح مشروع القانون نسبة العراق في النفط المستخرج بموجبها. وهذا يؤدي بالنتيجة الى استحواذ الشركات الاجنبية المتعاقدة بموجب هذا القانون على الحقول التي تعود ملكيتها الى الحكومة العراقية في الوقت الحاضر. 
الامر الثاني:
 ان اعطاء الاقاليم حق ابرام عقود الترخيص يحول دون تنفيذ سياسة اتحادية للنفط والغاز وبالتالي عدم وحدة ادارة الاقتصاد الوطني العراقي الذي تقوم موارده على النفط والغاز بشكل أساسي. كما ان الشركات الاجنبية ستواجه مشكلة عدم التنسيق بين المركز والاقاليم الامر الذي يمكن أن يؤثر على مصالحها التجارية والاستثمارية ويؤدي بها الى التدخل في الشؤون الداخلية العراقية لضمان هذه المصالح. 
الامر الثالث: ان وضع المادة  (  112/أولاً) من الدستور الذي يقضي بقيام السلطة المركزية بادارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية فقط بالتنسيق مع الاقاليم، من شأنه أن يعني بمفهوم المخالفة – الا تقوم السلطة المركزية بادارة النفط والغاز من الحقول غير المنتجة حالياً. وهذا الفهم يؤدي الى نتائج خطيرة ناجمة عن تفسير الاقاليم لها بانها ستتولى ادارة النفط والغاز في اقاليمها من دون تنسيق مع السلطة المركزية. وهذا من شأنه الاضرار بالاقتصاد الوطني العراقي. كما ان هذا التفسير يلغي قيمة المادة (112/ثانياً) التي تقضي بالتنسيق بين السلطة المركزية والاقاليم والمحافظات المنتجة لرسم سياسة استراتيجية لتطوير النفط والغاز. ان اعطاء صلاحية التراخيص للاقاليم من شأنه أن يؤدي الى تأثير الشركات الاجنبية على سلامة الاقتصاد الوطني وعلى استقلال القرار السيادي في مجال النفط والغاز. 
رابعاً: التراخيص:
       تمنح المادة (9) من مشروع القانون صلاحية اعطاء تراخيص العمليات النفطية لعقود التنقيب والانتاج لوزارة النفط وللهيئة الاقليمية بعد عرض العقد الاولي على المجلس الاتحادي. وهذا يؤدي الى ازدواجية في السياسة النفطية ويؤثر على السياسة الاقتصادية للعراق. وينبغي حصر منح التراخيص بوزارة النفط بغية تنفيذ سياسة وطنية اتحادية لعموم العراق تخدم تطوير الاقتصاد العراقي بشكل تكاملي. 
خامساً: العقـود:
يميز مشروع القانون بين ثلاثة أنواع من العقود النفطية هي: 
الاول: عقود الاستكشاف، وتقضي بتحمل الشركات الاجنبية مقداراً كبيراً من المخاطرة في الاستثمار يعطيها حصة من النفط المكتشف بعد استخراجه حيث تسترد به كلفة الاستكشاف وشيئاً من الربح ، وقد لا تحصل على هذه العوائد اذا لم يكتشف النفط، وهذه من العقود المفيدة في الدول التي لا تملك قدرة تقنية للاستكشاف. والعراق يملك هذه القدرة وانه استفاد منها في اكتشاف تراكيب جيولوجية نفطية في السبعينات من القرن الماضي بلغت 20 تركيباً وجدت فيها كميات تجارية من النفط، ولذا فان العراق لايحتاج الى مثل هذه العقود الا في المناطق النائية. 
الثاني: عقود التنقيب والتطوير والانتاج
 ، وهذا تعبير عن نوع من العقود يدخل في عائلة عقود المشاركة. وهي العقود التي حلت محل عقود الامتياز التي كانت سائدة خلال النصف الاول من القرن العشرين. وتقوم عقود المشاركة على مبدأ المشاركة في رأس المال وبالتالي في العوائد النفطية أو المشاركة في العوائد فقط. ويدور الصراع بين الدول النفطية والشركات النفطية الاجنبية على تحديد نسبة العوائد التي تزيد على 50% لصالح الدول المنتجة. وهذه هي العقود التي سادت خلال النصف الثاني من القرن العشرين. 
ويبدو ان مشروع القانون ابتدع تعبير عقود التنقيب والتطوير والانتاج لتحاشي اعادة الاعتبار لعقود المشاركة التي مضى عليها الزمن والتي تثير حساسية الشعوب من هيمنة الشركات الأجنبية على نفطها الوطني ولذا فأن الدول المنتجة ترفض اليوم التعاقد بموجبها . والمشكلة التي يثيرها مشروع القانون هو عدم وجود سياقات محددة لهذا النوع من العقود، وبالتالي فان التعاقد بموجبها سيعرض العراق الى مخاطر كبيرة خاصة وان المشروع لم يحدد نسبة العوائد النفطية التي سيحصل عليها العراق، وهذا رجوع الى الوراء في استثمار النفط, وينبغي رفض استخدام هذه العقود من قبل العراق مع الشركات الاجنبية، لان الشركات الاجنبية ستتملك النفط المستخرج خلافاً للدستور.ذلك لان الشركات المتعاقدة ستتولى الانتاج من قبلها وتعطي العراق الحصة التي يتم الاتفاق عليها في هذه العقود , أي ان الذي سيمسك بمفتاح البئر هو الشركات وليس العراق وهذا يعني سيطرة هذه الشركات على الانتاج واغراق السوق العالمي بالنفط وانهيار الاسعار.وستكون قيمة عوائد 10 ملايين برميل في اليوم مساوية لقيمة 3 ملايين برميل في اليوم بسبب هبوط سعر البرميل من 110 دولار الى دون 50 دولار.وهذا هو الفرق بين هذين النوعين من العقود وهو ما ينبغي معرفته من اعضاء مجلس النواب والشعب العراقي صاحب المصلحة الاولى في ابرام العقود واستثمار النفط وفق حاجته هو لا حسب حاجة الغير.
اما في عقود الخدمات فان الانتاج سيكون بيد العراق وهو الذي يسطر على الانتاج وفق حاجته الحقيقية لا وفق رغبة الشركات في السيطرة على السوق واضعاف دور الاوبك في الحفاظ على الاسعار خاصة بعد فقد الدولار ما يقارب من نصف قيمته. 
الثالث: عقود الخدمات والادارة
 ، وهي العقود التي تبرم في الوقت الحاضر مع شركات النفط الاجنبية والتي تقوم على أساس المقاولة والاتفاق على تقديم خدمة فنية يحتاجها البلد النفطي من الشركات الاجنبية مقابل أجور متفق عليها. وهذا يعني ـ وبخلاف عقود التنقيب والتطوير والانتاج ـ ان النفط المستخرج من قبل شركة النفط الوطنية بالإستعانة بالخبرات الأجنبية يكون ملكاً للعراق مع دفع تكاليف الخدمات والادارة التي تقدمها الشركات الاجنبية للعراق. وبالتالي نضمن بموجب هذه العقود ملكية الشعب العراقي للنفط والغاز في العراق طبقاً للمادة/111 من الدستور. 
والملاحظ
 ، ان المشروع حصر عقود الخدمات والادارة على الحقول المنتجة فقط بموجب (م/8/أ) وترك الحقول المكتشفة وغير المطورة والحقول غير المكتشفة لعقود التنقيب والتطوير والانتاج. وهذا يعني عملياً اعطاء الحقول العراقية الغنية بالنفط والمكتشفة من قبل الايدي الفنية العراقية بعد قانون 80/1961 ـ الذي استعاد الاراضي العراقية غير المكتشفة من الكارتل النفطي ـ للشركات الاجنبية وهذا يعني الغاء آثار تأميم النفط والعودة الى نظام عقود المشاركة التي تعيد تملك الشركات الاجنبيةللنفط العراقي المستخرج من هذه الحقول الغنية بنسب عالية وبأرباح خيالية في ظل اسعار النفط المرتفعة المتوقع أن تبلغ 100 $ للبرميل الواحد بعد نضوب نفط بحر الشمال والالسكا وعدم وجود اكتشافات مهمة للنفط منذ نهاية السبعينات، خاصة اذا علمنا ان احتياطي الحقول العراقية العملاقة العشرة المكتشفة يزيد على 62 مليار برميل وهذه الحقول هي: مجنون وغرب القرنة وشرق بغداد وابن عمر والحلفاية والرطاوي والناصرية وطوبا والغراف والاحدب. ويبلغ مجموع عدد الحقول المكتشفة 47 حقلاً، الامر الذي يسبب خسارة يجب الايتعرض اليها الاقتصاد العراقي. ولهذا الغرض يجب تطوير هذه الحقول العملاقة بموجب عقود الخدمات والادارة لا بموجب عقود التنقيب والتطوير والانتاج. وفي العراق قدرات وخبرات ضخمة قادرة على استقدام التقنية الحديثة لتطوير الحقول المكتشفة عن طريق عقود الخدمات والادارة وبذلك تحافظ على ملكية الشعب العراقي للنفط والغاز ولا تتخلى عنها الشركات الاجنبية. 
أما رأس المال المطلوب لتأهيل الحقول المنتجة حالياً لبلوغ طاقة تصديرية تصل إلى 3 مليون برميل يومياً ، فلا يتجاوز  4 مليار دولار ويمكن توفيره من خلال الميزانية الإستثمارية العراقية وبواقع 2 مليار سنويا وخلال سنتين . وهذا يغني عن الإستعانة برؤوس الأموال الأجنبية ويمكّن من الحصول على التقنية الحديثة من خلال عقود الخدمات والإدارة . ولا يحتاج العراق في ظل أسعار النفط الحالية والمرشحة للزيادة إلى زيادة طاقته التصديرية إلى ما يزيد على 3 مليون برميل يومياً مما يحافظ على استقرار الأسعار بل وزيادتها ودعم سياسة الأوبك في هذا المجال .

وأخيراً ينبغي إلغاء التفرقة الواردة في ملاحق مشروع القانون بين الحقول المنتجة التي ستخضع لعقود الخدمات والإدارة والحقول المكتشفة غير المنتجة وهي الحقول العملاقة التي ستكون موضوع عقود التنقيب والتطوير والإنتاج أي عقود المشاركة، ذلك لأن شركة النفط الوطنية تملك الخبرات العراقية القادرة على تشغيل كل الحقول المكتشفة غير المطورة بالإستعانة بالخبرات الأجنبية بموجب عقود الخدمات .
سادساً : إبرام ونفاذ العقود .
    وضع مشروع القانون أسلوباً معقداً في كيفية إبرام ونفاذ عقود التراخيص نوضحه فيما يأتي :
1. إبرام العقود :  تحدد المادة 5/ت/ثالثاً ورابعاً صلاحية المجلس الإتحادي للنفط والغاز بشكل غامض . فالفقرة ( ثالثاً ) تبيّن صلاحية المجلس في النظر في عقود التنقيب والإنتاج ولكن دون ترتيب أي أثر قانوني على هذا  " النظر " وهو تعبير غير واضح . ثم تعقب هذه الفقرة بصلاحيتة في تعديلها دون توضيح الأثر القانوني لذلك . أما الفقرة ( رابعاً ) فتتناول عقود التطوير والإنتاج وكأنها نوع مختلف عن عقود التنقيب والإنتاج الواردة في الفقرة ( ثانياً ) . وتقضي الفقرة ( رابعاً ) بالنص على صلاحية إقرار " نماذج "  العقود وليس على إقرار هذه العقود ، وهذه الصياغات المضطربة تثير مشاكل من الناحيتين القانونية والعملية مما ينبغي العمل على إعادة تبويبها . وقد تكرر تعبير ( النظر ) في الفقرة سادساً بخصوص العلاقة بين المجلس ومكتب المستشارين المستقلين الذي يقدم المشورة حول هذه العقود دون فهم الأثر القانوني لهذا " النظر " .
2. نفاذ العقود : تقضي المادة 10/ث/ثالثاً بأن نفاذ العقود يتم بطريقة الموافقة الضمنية للمجلس الإتحادي للنفط والغاز وبعد مرور 60 يوماً من تاريخ تسلم المجلس العقد الأولي أو بعد 120 يوماً في حالة الظروف الطارئة وذلك إذا لم يبت المجلس في هذه العقود خلال هاتين الفترتين .
وهذه طريقة تؤثر على حرية المجلس في دراسة العقود والبت فيها لأنها تمارس نوعاً من الضغط الزمني على عمل المجلس وعلى أسلوبه في العمل وحريته في إتخاذ القرار . وينبغي النص على إقرار العقود بالموافقة الصريحة التي تمكن أعضاء المجلس من التعبير عن آرائهم بوضوح وبطريقة ديمقراطية وشفافة .
وإزاء ذلك تحاول الفقرة ( ج ) من ( ثالثاً ) معالجة هذا الخلل عن طريق إلزام وزارة النفط أو شركة النفط الوطنية أو الهيئة الأقليمية بمعالجة أسباب عدم الإعتراض من قبل المجلس من خلال إجراء التعديلات على العقد الأولي لإستحصال الموافقة عليه مجدداً . ولا نرى فائدة من معالجة هذه الأسباب إذا كان العقد باتاً ونافذ المفعول بعد مرور المدة القانونية المحددة بـ 60 يوماً أو 120 يوماً في حالات الظروف الطارئة . علماً بأن تعبير الظروف الطارئة معيب وربما نجم ذلك عن غلط الترجمة ، حيث ان التعبير القانوني المستخدم هو القوة القاهرة( Force majeure ).
 
سابعاً : ملكية النفط المستخرج :
       بينا ان الدستور قد نص في م/111 على ملكية الشعب العراقي للنفط والغاز دون تحديد كيفية هذه الملكية . والقدر المتيقن لهذا التعبير هو ملكية الشعب العراقي للنفط والغاز الكامنين في الأرض وليس النفط والغاز المستخرجين، لأن التعامل الدولي يقضي بأن النفط المستخرج والغاز كلاهما ملك لمن يستخرجهما. وفي هذه الحالة يجب معالجة نص المادة 111 من الدستور لانه خال من الفائدة العملية، لان النفط الكامن في باطن الارض هو مملوك للشعب العراقي من الناحية النظرية لا من الناحية النظرية وينبغي النص على ملكية الشعب العراقي للنفط المستخرج وذلك بتعديل المادة 111 بهذا الإتجاه.
 
 
 وهناك 3 أنواع من الملكية: 
الاولى:   يكون النفط والغاز ملكاً للعراق والحكومة وشعبه في حالة قيام الحكومة بواسطة شركاتها العامة باستخراج هاتين المادتين. 
الثانية:   يكون النفط والغاز ملكاً للشركات الاجنبية عن طريق عقود الامتياز التي ابرمت في الثلاثينات والاربعينات من القرن الماضي مقابل عوائد تدفع الى حكومات الدول المنتجة. وهذه العقود لم تعد نافذة في الوقت الحاضر. 
الثالثة:  يكون النفط والغاز ملكاً لكل من الحكومة والشركات الاجنبية بموجب عقود المشاركة التي يعبر عنها مشروع القانون بعقود التنقيب والتطوير والانتاج، وذلك من خلال تحديد نسبة كل من الطرفين المتعاقدين. والغريب ان صياغات مشروع القانون مضطربة من حيث تحديد نسبة المشاركة مما ينبغي معالجته فيما يأتي: 
1. تقضي (12/ت) بان تحتفظ جمهورية العراق بحق المشاركة في العمليات النفطية في أية مرحلة من مراحل العمليات النفطية حسب الفقرات والشرائط القائمة بالعقد. ولا توجد أية فائدة عملية من الفقرات ، لان حق المشاركة مثبت بالعقد وليس بالقانون ولا بارادة العراق المنفردة، ولذا فأن مشروع القانون لا يحدد حصة معينة للعراق بالمشاركة في العمليات النفطية وفي أية مرحلة منه . كما لايمكن الاستفادة من هذا النص في اثبات ملكية العراق للنفط المستخرج باكمله وبأي شكل من الاشكال. 
2. تقضي المادة (14/ط) بأنه " اينما اقتضت المصلحة الوطنية، ستمنح الافضلية للوزارة في تملك النفط أو الغاز المنتج من منطقة العقد... " وهذا تعبير لا طائل من ورائه لان تملك النفط أو الغاز المنتج من منطقة العقد يحدد بموجب العقد وليس بموجب هذه المادة ولان العلاقة بين العراق والشركة المنتجة للنفط أو الغاز محكومة بالعقد المبرم بينهما وليس بموجب هذا القانون وذلك طبقاً لمبدأ العقد شريعة المتعاقدين. 
   نستنتج من هذا كله انه لا يوجد أي نص في القانون يثبت ملكية العراق للنفط أو الغاز المستخرجين ولا نسبة هذه الملكية لان صياغة فقرات المادتين 12 و14 بعبارة مثل " تحتفظ جمهورية العراق بحق المشاركة في العمليات النفطية " لا تعني تملك النفط المستخرج كما ان عبارة  " ستمنح الافضلية للوزارة في تملك النفط أو الغاز المنتج من منطقة العقد "، لا تعطي هذه الاولوية ما دام العقد هو الحاكم لثبوت الملكية لاي من طرفي العقد. وهذا تمويه يسئ الى روح القانون ويخالف أحكام الدستور. 
ثامناً: ملكية أنابيب النفط والغاز
تقضي المادة 18 بتملك الحكومة الاتحادية خطوط الانابيب الرئيسة بينما تقضي المادة 21 تملك الشركة الوطنية العراقية أو فروعها لهذه الانابيب، وهذا عيب في الصياغة ينبغي تصحيحه. ولم تعرّف المادة 4/13 الانبوب الرئيسي ولا كيف يمكن تمييزه عن الانبوب الفرعي. ومهما يكن من الامر، فان سياق المادتين 18 و 21 يقضي بان الانابيب الفرعية ستكون ملكاً للاقاليم والهيئات التابعة لها. وهذا من شأنه التأثير على انسياب النفط والغاز الذي لا ينبغي أن يجري في أنابيب تعود ملكيتها لجهات متعددة، مما يثير نزاعاً بشأن كيفية استخدام هذه الانابيب وصيانتها وحمايتها. وهذا أمر ينبغي معالجته بان تكون ملكية الانابيب للحكومة المركزية لان استخدامها يتم في اطار سياسة وطنية للنفط والغاز بحيث تعود فوائده على عموم الشعب العراقي. 
تاسعاً: الـريع
يعتبر الريع عائداً مالياً للحكومة في عقود الامتياز والمشاركة تدفعه الشركات المتعاقدة الى حكومة البلد المتعاقد وذلك مقابل الارباح العالية التي تحصل عليها تلك الشركات. ولا مجال هنا لمقارنة شركة النفط الوطنية العراقية بالمتعاقد الاجنبي حتى يفرض عليها الريع لصالح الخزينة. ويمكن للحكومة المركزية استيفاء حقوق الخزينة من شركة النفط الوطنية العراقية من خلال الضرائب.  
أما نسبة الريع المفروض على الشركات الاجنبية فينبغي تحديدها بمعدلات دول اوبك الاكثر فائدة للعراق والتي بلغت 16% ولا ينبغي أن يفهم الريع بانه حقوق ملكية اذ لا علاقة بينه وبين ملكية النفط المنتج الذي يخضع لمبدأ المشاركة بموجب عقود المشاركة كما يفهم من المادة34، التي تفرض نسبة الريع بنسبة 50ر12% فقط. 
عاشراً: قوانين مكافحة الفساد
تقضي (م/37/أ) ببطلان عقد الترخيص اذا انتهك القوانين العراقية وخاصة تلك الخاصة بمكافحة الفساد، وهذا غير دقيق قانوناً لان البطلان لا يقع بشكل تلقائي وانما يتم بقرار قضائي وطبقاً للقانون وليس من جانب واحد، لان العقد شريعة المتعاقدين. 
وما ورد في هذا يتعارض مع ما جاء في الفقرتين (ب و ت) من المادة ذاتها الذي يقضي باحتمال  "الغاء" عقد الترخيص وليس بطلانه وقد يحال للقضاء وقد لا يحال. وفي هاتين الحالتين لا يكون الالغاء أو الاحالة الى القضاء الزاماً على صاحب الترخيص لان تعبير "قد" قبل فعل المضارع يفيد التقليل لا التأكيد وهذا ما ينبغي تصحيحه. 
ويمكن معالجة هذه المادة بالنص على خضوع عقود الترخيص لاحكام القانون العراقي في حالة مخالفتها لقوانين مكافحة الفساد. 
 
حادي عشر: التوصيات
ويمكن تصنيفها الى نوعين هما: 
1.التوصيات الشكلية ، وتتضمن ما يأتي: 
أ. ان عرض مشروع قانون النفط والغاز على مجلس النواب في وقت يجري في مراجعة الدستور طبقاً لاحكام المادة 142 منه، يتعارض مع طبيعة النظام القانوني وتسلسله الدستوري حيث يعلو الدستور على القانون. والى ان يتم تعديل الدستور فانه لا يصح تشريع قانون النفط والغاز، لان هذا التشريع يعتمد على الصورة النهائية للوضع الدستوري بعد التعديل ، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الاختصاصات بين المركز والاقاليم ونصيب النفط والغاز من ذلك من جهة وصلاحية ابرام عقود التراخيص النفطية للاستثمار الاجنبي من جهة أخرى.
 
ب. ان عدم نشر ملاحق مشروع القانون ونماذج عقود التراخيص يثير الريبة، لان هذه الملاحق تتضمن التمييز بين الحقول المنتجة والحقول المكتشفة غير المطورة . وهذه الاخيرة ستخرج من الاختصاص الحصري لشركة النفط وتعطى للشركات الاجنبية وعلى أساس تنافسي مع شركة النفط الوطنية مما يعني سيطرة هذه الشركات على الاحتياط النفطي العراقي ومصادرة قانون 80/1961.
ان التمييز بين الحقول المكتشفة غير المطورة بموجب الملحق رقم 2 (غير المنشور) الى حقول تخضع لاختصاص شركة النفط الوطنية العراقية حصراً وحقول تخضع للمنافسة بين هذه الشركة والاستثمار الاجنبي، من شأنه التفريط بالحقول العملاقة الغنية بالنفط التي يمكن لشركة النفط الوطنية العراقية استغلالها بقدرات عراقية بالاستعانة بالتقنية الاجنبية بموجب عقود خدمات لا بعقود تنقيب وتطوير وانتاج التي تؤدي الى ملكية الشركات الاجنبية لجزء كبير من النفط المستخرج وهذا يتعارض مع احكام (م/111) من الدستور. 
ج. لا يمكن تشريع قانون النفط والغاز قبل تشريع قانون شركة النفط الوطنية العراقية لان تنفيذ قانون النفط والغاز يعتمد على اعادة احياء شركة النفط الوطنية العراقية وهي العنصر الاهم في صناعة النفط في العراق. ولذا يجب اصدار قانون شركة النفط الوطنية قبل القانون المقترح.
 
د. ان تسلسل المواد المنقولة عن النص الانكليزي مبهم وغير مناسب، وينبغي اعادة النظر في شكل هذا التسلسل بما يساعد على فهم أوضح لنصوص القانون. 
2.التوصيات الموضوعية  ، وتتضمن ما يأتي:
أ. ضرورة توحيد السياسة النفطية العراقية على أساس استراتيجي، لان مستقبل الاقتصاد العراقي يعتمد على توحيد هذه السياسة. ذلك لان النزاع بين المركز والاقاليم بشأن الصلاحيات والسياسات النفطية وملكية انابيب النفط يؤدي الى اضطراب صناعة النفط بسبب المجادلات حول حدود هذه الصلاحيات والسياسات مما يترك آثاراً سلبياً على العلاقة مع الاستثمار الاجنبي الذي يستغل هذا النزاع للتدخل في الشؤون الداخلية للعراق. 
ب. ضرورة حصر استغلال الحقول العملاقة سواء المنتجة منها حالياً أو المكتشفة غير المطورة بشركة النفط الوطنية العراقية، لان الخبرات العراقية قادرة على استغلال هذه الحقول بامكانياتها المكتسبة والمتراكمة مما يوفر مورداً من العوائد التي تمكن العراق من اعادة البناء، خاصة وان كلفة تشغيل البرميل الواحد في العراق لا تتعدى الدولارين وهي أقل كلفة من بقية النفوط في العالم. وهذه ثروة لا يجوز التفريط بها واعطاؤها للمستثمر الاجنبي. وبامكان شركة النفط الوطنية الاستعادة بالتقنية الاجنبية بشرائها عن طريق عقود الخدمات وهي موجودة في سوق النفط لدى الشركات العملاقة وباسعار تنافسية. 

ج. عدم الحاجة الى عقود التنقيب والتطوير والانتاج مع الشركات الاجنبية لان ابرام هذه العقود يتعارض مع المادة 111 من الدستور التي تجعل ملكية النفط للشعب العراقي، بينما تتضمن هذه العقود وهي نوع من انواع المشاركة مبدأ تملك الشركات الاجنبية لجزء مهم من النفط المستخرج مما يحرم الشعب العراقي منه وهو أحوج ما يكون اليه لاعادة البناء .
       ويتجلى الفرق بين عقود  التنقيب وعقود الخدمات في ان مفتاح البئر سيكون بيد الشركات مقابل اعطاء العراق حصة من النفط ,  بينما يكون المفتاح بيد العراق في عقود الخدمات مقابل حصة من النفط للشركات المتعاقدة تقل كثيرا عما تستولي عليه الشركات الاجنبية في عقود التنقيب والتطوير والانتاج. وسيكون من مصلحة العراق ابرام عقود الخدمات وليس عقود التنقيب.
د. ضرورة انشاء شركة استكشاف عراقية بخبرات عراقية والاستعانة بخبرات اجنبية للاستفادة من قانون 80/1961 وقانون التأميم 2197 وذلك لإستكشاف الإحتياطي وتحقيق السيادة الإقتصادية الوطنية على الثروة النفطية ومنع تدخل الكارتل النفطي في الشؤون الوطنية العراقية.ويمكن اعادة شركة النفط الوطنية للقيام بهذه المهمة.
 
هـ. تظهر حاجة العراق الملحة اليوم الى اعادة تأهيل الصناعة التحويلية للنفط والغاز أكثر من حاجته الى زيادة استخراج وتصدير النفط، وذلك باعادة تأهيل مصافي النفط الحالية وبناء مصاف جديدة لتلبية حاجة الاستهلاك الداخلي الذي يسّد جزء كبير منه عن طريق استيراد المشتقات النفطية التي تستولي مافيا النفط في العراق على جزء كبير منها، مما يرهق الميزانية الوطنية ويثير نقمة المواطن على السياسة النفطية الحالية. 

 
و. ضرورة اخضاع عقود النفط من أي نوع كانت الى تصديق مجلس النواب بغية ضمان رقابة وطنية شفافة على السياسة النفطية للحكومة.
وأخيراً فأن الثروة النفطية في العراق أمانة الشعب العراقي في أيدي الهيئات الدستورية ويجب عدم التفريط بها بالشكل الوارد في مشروع القانون مما ينبغي التريث في التصويت عليه والعمل على تشكيل لجنة خبراء نفطيين وقانونيين عراقيين لإعادة النظر في مشروع القانون واعادة صياغته بشكل يضمن مشاركة الخبرات العراقية  في تطوير الصناعة النفطية العراقية وعدم التفريط بها. كما يمكن إلى جانبها الاستعانة بالخبرة الاجنبية بموجب عقود الخدمات. ولا بد من التأكيد على ادخال الصناعة التحويلية للمشتقات النفطية في هذا القانون لغرض تلبية سريعة لحاجة السوق الوطنية من المشتقات النفطيةوخدمة للمواطن العراقي مالك النفط الذي يعاني من تدهور المنشآت النفطية. 
ان إنشاء مصفى جديد للنفط أفضل وأقل كلفة من شراء المشتقات النفطية التي يعاد تهريب جزء منها إلى الخارج وأفضل من تكريس القانون لزيادة إنتاج النفط خارج حاجة السوق الوطنية ، في الوقت الذي يلزم فيه إعادة تأهيل وبناء مصاف النفط بغية البدء بإعادة الإعمار وتوفير المحروقات للطاقة الكهربائية للصناعة وللانارة والحفاظ ,في الوقت نفسه,  على الثروة النفطية العراقية من التفريط بها .

د.زهير الحسني - أستاذ القانون الدولي

مواضيع ذات صلة :
أقرأ  مشروع قانون النفط والغاز العراقي

     قانون النفط والغاز العراقي بين النظرية والواقع - د.عبدالهادي الحساني

 
 

      اطبع هذه الصفحة    
 

 

المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها - أتفاقية الأستخدام
كل الحقوق محفوظة ®2015 لموقع النفط والغاز الطبيعي العربي