موقع النفط والغاز الطبيعي العربي

 

 

 

  الصفحة الرئيسية > قسم الدراسات    

  أزمة الطاقة القادمة وارتفاع قياسي لأسعار النفط
  
 د. أنس الحجي

 

 إذا كانت توقعات الطلب على النفط حتى عام 2030، التي أعلنت عنها كل من وكالة الطاقة الدولية، ومنظمة أوبك، وإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، صحيحة، فإن العالم مقبل على أزمة طاقة لم يشهدها من قبل، وسترتفع أسعار النفط ارتفاعاً تاريخياً، ولكن لفترة محدودة. وقبل الدخول في التفاصيل لابد من التنويه أنه بالرغم من استخدام توقعات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أدناه إلا أن الأفكار تنطبق على توقعات وكالة الطاقة الدولية و''أوبك'' أيضاً. قدمت إدارة المعلومات ثلاث حالات لتوقعات الإنتاج حتى عام 2030. الحالة الأولى هي الحالة الأساسية، والثانية هي حالة الأسعار المرتفعة، والثالثة هي حالة الأسعار المنخفضة.
تتوقع إدارة المعلومات أن يرتفع إنتاج ''أوبك'' في الحالة الأساسية بمقدار 9.4 مليون برميل يوميا من 34.4 مليون برميل يوميا عام 2007 إلى 43.8 مليون برميل يومياً عام 2030. وفي الوقت الذي تتوقع فيه انخفاض إنتاج ''أوبك'' بحدود ستة ملايين برميل يوميا في حالة الأسعار المنخفضة، إلا أنها تتوقع أن يزيد إنتاج ''أوبك'' بمقدار 23 مليون برميل يوميا بحلول عام 2030. وهنا تبدو عدم منطقية هذه التوقعات: لماذا ستقوم ''أوبك'' بزيادة الإنتاج بكمية هائلة في حالة انخفاض أسعار النفط؟ ألا يعارض هذا التوقع المنطق من جهة، والبيانات التاريخية من جهة أخرى؟


لا يمكن لدول ''أوبك'' زيادة الإنتاج كما هو متوقع
لا يمكن لدول ''أوبك'' أن تنتج ما تتوقعه هذه الهيئات، بما فيها منظمة أوبك نفسها. لنفرض أن إنتاج ''أوبك'' من النفط الخام هو 29 مليون برميل يوميا في عام 2007. ولنفرض أن معدلات النضوب هي 3 في المائة حسب بيانات ''أوبك'' التي أعلنتها أخيرا. وبما أن الإدارة تتوقع في الحالة الأساسية أن يكون إنتاج أوبك 43.8 مليون برميل يوميا في عام 2030، فإن هذا يعني أن على ''أوبك'' أن تأتي بإنتاج جديد قدره 24 مليون برميل يومياً للتعويض عن معدلات النضوب ومقابلة الطلب المتزايد على نفط ''أوبك''. أكرر: على ''أوبك'' أن تأتي بإنتاج جديد قدره 24 مليون برميل يوميا، وهذا يعادل إضافة أكثر من مليون برميل يوميا كل سنة حتى عام 2030. وإذا نظرنا إلى توقعات الأسعار المنخفضة فإن الأمر يصبح مهولا: على ''أوبك'' أن تزيد الإنتاج بمقدار بنحو 37 مليون برميل يومياً خلال 23 سنة، وهو أمر مستحيل.

نموذج رياضي خاطئ

ت
ستخدم كل من إدارة معلومات الطاقة، ووكالة الطاقة الدولية، وأوبك، نموذجا رياضيا خاطئا لتوقع الطلب والعرض في المستقبل. ويعود الخطأ إلى أن النموذج الرياضي المستخدم يعتمد على تقدير الطلب العالمي على النفط بناء على متغيرات متعددة مثل أسعار النفط، وأسعار البدائل والنمو الاقتصادي، وتقدير الإنتاج في دول خارج ''أوبك'' بناء على المتغيرات التي تحدده مثل الأسعار والتكاليف، ثم افتراض أن ''أوبك'' ستقوم بإنتاج الفرق بينهما، مهما كان هذا الفرق، ومن دون دراسة المتغيرات التي تحكم إنتاج ''أوبك''. لقد ثبت خلال 30 سنة الماضية فشل هذا النموذج، كما ثبت فشل هذه التوقعات. وما وصول أسعار النفط إلى مستويات قياسية في العام الماضي إلا مسمار آخر في نعش هذا النموذج الرياضي الذي افترض أن دول ''أوبك'' تستطيع دائما مقابلة الفرق بين الطلب العالمي وإنتاج دول خارج ''أوبك''، ولمّا لم تقم ''أوبك'' بما افترضه هذا النموذج، ارتفعت الأسعار ارتفاعها الصاروخي.

معوقات زيادة الإنتاج في دول أوبك
لاشك أن الفرق بين الطلب العالمي المتوقع على النفط وكمية الإنتاج المتوقعة من خارج ''أوبك'' كبيرة، ولا يمكن لدول أوبك أن تضيف الكميات المتوقعة لأسباب اقتصادية ومالية وفنية، خاصة أن زيادة الإنتاج من الحقول المنتجة حالياً تزيد من معدلات النضوب، وستؤدي إلى تخفيض الإنتاج في المستقبل بدلا من زيادته. وتتضح مأساة دول ''أوبك'' في أنها كلها تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتخفيف الاعتماد على النفط، ولكنها تجد نفسها مضطرة لاستثمار المزيد في النفط، وإنتاج المزيد منه. وهنا لابد من تذكير القارئ الكريم بأن دول النفط هي جزء من الاقتصاد العالمي وهناك أسباب سياسية واقتصادية منطقية تجبر عددا من دول ''أوبك'' على زيادة الإنتاج فوق احتياجاتها المالية. وهنا تتضح مأساة أخرى وهي أن الارتفاع المستمر في أسعار النفط في ظل انخفاض الدولار وأسعار الفائدة يتطلب عدم زيادة الإنتاج وإبقاء النفط في باطن الأرض. بعبارة أخرى، لو كانت دول النفط شركات خاصة، فإن تعظيم محفظتها الاستثمارية يتطلب إبقاء جزء من مواردها النفطية تحت الأرض. ويظهر عمق المأساة في أن كل دول أوبك بحاجة إلى التركيز على مشاريع الغاز لمقابلة الطلب المحلي من جهة، ولأن القيمة المضافة من الغاز بالنسبة لبعض اقتصادات دول أوبك أكبر من النفط. هذا يعني أن جزءا لا بأس به من إيرادات النفط سيذهب للغاز، وليس للنفط، الأمر الذي يحد من زيادة الطاقة الإنتاجية.

إضافة إلى ما سبق فإن هناك أمرين سيمنعان ''أوبك'' من ضخ كميات إضافية من النفط في الأسواق العالمية بالطريقة التي تتوقعها هذه الهيئات، حتى لو قامت فعلا بزيادة الإنتاج بالطريقة المتوقعة:

1. نمو الاستهلاك المحلي للطاقة بشكل كبير بسبب نمو السكان من جهة، وارتفاع الدخول الناتج عن الارتفاع المستمر في أسعار النفط من جهة أخرى. هذا يعني أنه في الوقت الذي يركز فيه العالم على إنتاج دول أوبك، ستنخفض صادراتها، وسيعاني العالم من عجز في إمدادات النفط. وهنا لابد من التركيز على أمرين: الأول أن الزيادة في استهلاك الطاقة في هذه الدول ستكون أعلى من المتوقع، وبهذا فإنها غير مشمولة في توقعات الطلب التي أعلنت عنها الهيئات المختلفة. والثاني أنه يجب التركيز على صادرات دول أوبك بدلا من إنتاجها.

2. التركيز على مشاريع البتروكيماويات، الذي سينتج عنه في النهاية انخفاض صادرات النفط والغاز. وعلى الرغم من أن البعض يشكك في الجدوى الاقتصادية لمشاريع البتروكيماويات، خاصة إذا تم تسعير مدخلات الطاقة بسعر السوق، إلا أنه يجب النظر إليها على أنها خيار استراتيجي لمواجهة العداء المتزايد للنفط في الدول المستهلكة: إذا تم الاستغناء عن النفط فعلا فإنه سيتم تصدير النفط على شكل سلع أخرى مثل البتروكيماويات وغيرها.

باختصار، لن تقوم ''أوبك'' بإنتاج الفرق بين الطلب المتوقع على النفط وإنتاج دول خارج ''أوبك''. وسينتج عن ذلك أزمة طاقة عالمية. والسبب مرة أخرى هو ليس دول أوبك، وإنما نماذج رياضية خاطئة تستخدمها الهيئات المختلفة، بما في ذلك... منظمة أوبك.

نقلاً عن صحيفة الاقتصادية - موقع الأمارات الأقتصادي

 
 

      اطبع هذه الصفحة    

 

المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها - أتفاقية الأستخدام
كل الحقوق محفوظة ®2015 لموقع النفط والغاز الطبيعي العربي